تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ : أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ ، قَدْ لَا يَسْتَقِلُّ بَعْضُهَا بِهِ ، بَلْ مَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ شِبَعٍ وَرِيٍّ 1 وَشُكْرٍ وَفَرَحٍ وَغَمٍّ فَأُمُورٌ مُجْتَمِعَةٌ ، لَا يَحْصُلُ بِبَعْضِهَا 2 ، لَكِنْ بِبَعْضِهَا قَدْ يَحْصُلُ بَعْضُ الْأَمْرِ 3 . وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِخَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُحَصِّلُ لِلْقَلْبِ نَوْعَ ظَنٍّ ، ثُمَّ الْآخَرُ يُقَوِّيهِ ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْعِلْمِ ، حَتَّى يَتَزَايَدَ وَيَقْوَى , وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْقَى فِي الْعَالَمِ الْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى مَا فَعَلَهُ بِأَنْبِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَمَا فعله بمكذبيهم من العقوبة ، كثبوت الطُّوفَانِ ، وَإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ ، وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا بَعْدَ نَبِيٍّ ، فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ ، كَقِصَّةِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ ، يَقُولُ فِي آخِرِ كُلِّ قِصَّةٍ : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } . وَبِالْجُمْلَةِ : فَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ أَقْوَامًا اتَّبَعُوهُمْ ، وَأَنَّ أَقْوَامًا خَالَفُوهُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ نَصَرَ الرُّسُلَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ ، وَعَاقَبَ أَعْدَاءَهُمْ , هُوَ مِنْ أَظْهَرِ الْعُلُومِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَأَجْلَاهَا . وَنَقْلُ أَخْبَارِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ نَقْلِ أَخْبَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مِنَ مُلُوكِ الْفُرْسِ وعلماء الطب ، كبقراط وجالينوس وبطليموس وَسُقْرَاطَ وَأَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ . وَنَحْنُ الْيَوْمَ إِذَا عَلِمْنَا بِالتَّوَاتُرِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوْلِيَائِهِمْ وَأَعْدَائِهِمْ , عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُمْ كَانُوا صَادِقِينَ عَلَى الْحَقِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ : مِنْهَا : أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْأُمَمَ بِمَا سَيَكُونُ مِنِ انْتِصَارِهِمْ وَخِذْلَانِ أُولَئِكَ وَبَقَاءِ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ . وَمِنْهَا : مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ نَصْرِهِمْ وَإِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ ، إِذَا عُرِفَ الْوَجْهُ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ ، كَغَرَقِ فِرْعَوْنَ وَغَرَقِ قَوْمِ نُوحٍ وَبَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ , عُرِفَ صِدْقُ الرُّسُلِ . وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهَا ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ أعلم الخلق ، وأنه
هامش
1 في المطبوعة : شفيع ووزير وهو خطأ ، وبهذا تصحح الجملة ويستقيم الكلام . 2 في الأصل : بعضها . 3 في الأصل : الأمور .