تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
فَمَنْ عَرَفَ الرَّسُولَ وَصِدْقَهُ وَوَفَاءَهُ وَمُطَابَقَةَ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ 1 , عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاعِرٍ وَلَا كَاهِنٍ . وَالنَّاسُ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، حَتَّى فِي الْمُدَّعِي لِلصِّنَاعَاتِ وَالْمَقَالَاتِ ، كَمَنْ يَدَّعِي الْفِلَاحَةَ وَالنِّسَاجَةَ وَالْكِتَابَةَ ، وَعِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْفِقْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ , وَالنُّبُوَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عُلُومٍ وَأَعْمَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ الرَّسُولُ بِهَا ، وَهِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَشْرَفُ الْأَعْمَالِ , فَكَيْفَ يَشْتَبِهُ الصَّادِقُ فِيهَا بِالْكَاذِبِ ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ , قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يحصل معه العلم ضروري ، كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ رِضَى الرَّجُلِ وَحُبَّهُ [ وَبُغْضَهُ ] وَفَرَحَهُ وَحُزْنَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِي نَفْسِهِ ، بأمور تظهر على وَجْهِهِ ، قَدْ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } [ سورة مُحَمَّدٍ : 30 ] ثُمَّ قَالَ : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } [ سورة محمد : 30 ] . وَقَدْ قِيلَ : مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أظهرها الله على صفات وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ . فَإِذَا كَانَ صِدْقُ الْمُخْبِرِ وَكَذِبُهُ يُعْلَمُ بِمَا يَقْتَرِنُ مِنَ الْقَرَائِنِ ، فَكَيْفَ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، كَيْفَ يَخْفَى صِدْقُ هَذَا مِنْ كَذِبِهِ ؟ وَكَيْفَ لَا يَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَاذِبِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ ؟ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الصَّادِقُ الْبَارُّ ، قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَهُ الْوَحْيُ : " إِنِّي قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي " 2 ، فقالت : كلا والله لا يخزيك الله ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتُقِرِّي الضَّيْفَ ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
هامش
1 في الأصل : العلم والتصحيح من مطبوعة دار المعارف . 2 صحيح ، وهو قطعة من حديث بدء الوحي الطويل في أول " صحيح البخاري " " رقم 3 مختصر البخاري طبع المكتب الإسلامي " ، وكان في الأصل وفي مطبوعة مكة " على عقلي " ! وقد قال الشيخ أحمد شاكر في ذلك : " هو خطأ فاحش ، لعله من الناسخ , بل هو كلام غير معقول , وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا , بل إن بعض العلماء فسر خشيته على نفسه ، في هذا الحديث ، بأنه خشي الجنون ! واستنكره الحافظ في الفتح 1 : 23 ، قال : " وأبطله أبو بكر بن العربي ، وحق له أن يبطل . ا . ه - " .