تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الِاعْتِبَارِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ ، وَلَا يُطْلَقُ [ عَلَيْهِ ] أَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْأَمْسِ لَا يُقَالُ : إِنَّهُ حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ ، وَلَوْ كان غير متكلم ؛ لأنه لِآفَةٍ كَالصِّغَرِ 1 , وَالْخَرَسِ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ يُقَالُ : حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ ، فَالسَّاكِتُ لِغَيْرِ آفَةٍ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْقُوَّةِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ ، وَفِي حَالِ تَكَلُّمِهِ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْفِعْلِ ، وَكَذَلِكَ الْكَاتِبُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ هُوَ كَاتِبٌ بِالْفِعْلِ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَاتِبًا فِي حَالِ عَدَمِ مباشرته الكتابة . وحول الْحَوَادِثِ بِالرَّبِّ تَعَالَى ، الْمَنْفِيُّ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، لَمْ يَرِدْ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَفِيهِ إِجْمَالٌ : فَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ المقدسة لشيء مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الْمُحْدَثَةِ ، أَوْ لَا يَحْدُثُ لَهُ وَصْفٌ مُتَجَدِّدٌ لَمْ يَكُنْ , فَهَذَا نَفْيٌ صَحِيحٌ , وَإِنْ أُرِيدَ [ بِهِ ] نَفْيُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ إِذَا شَاءَ ، وَلَا أَنَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لَا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى ، وَلَا يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْإِتْيَانِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ , فَهَذَا نَفْيٌ بَاطِلٌ . وَأَهْلُ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ يُطْلِقُونَ نَفْيَ حُلُولِ الْحَوَادِثِ ، فَيُسَلِّمُ السُّنِّيُّ لِلْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ ، عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ سُبْحَانَهُ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ، فَإِذَا سَلَّمَ لَهُ هَذَا النَّفْيَ أَلْزَمَهُ نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل ، وهو [ غير ] لَازِمٌ لَهُ , وَإِنَّمَا أُتِيَ السُّنِّيُّ مِنْ تَسْلِيمِ هَذَا النَّفْيِ الْمُجْمَلِ ، وَإِلَّا فَلَوِ اسْتَفْسَرَ وَاسْتَفْصَلَ لَمْ يَنْقَطِعْ مَعَهُ . وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الصِّفَةِ : هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا ؟ لَفْظُهَا مُجْمَلٌ ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْغَيْرِ ، فِيهِ إِجْمَالٌ ، فَقَدْ يُرَادُ [ بِهِ ] مَا لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا جَازَ مُفَارَقَتُهُ لَهُ . وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُطْلِقُونَ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِثْبَاتِ قَدْ يُشْعِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُبَايِنٌ لَهُ ، وَإِطْلَاقَ النَّفْيِ قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ هُوَ هُوَ ، إِذَا كَانَ لَفْظُ الْغَيْرِ فِيهِ إِجْمَالٌ ، فَلَا يُطْلَقُ إِلَّا مَعَ الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ : فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتًا مُجَرَّدَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا مُنْفَصِلَةً عَنِ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا , فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الصِّفَاتِ زَائِدَةٌ عَلَى الذات التي
هامش
1 في المطبوعة كالصغير .