المراتب الثلاثة التي لا بد منها في كل خطاب
. . .
فينبغي أن يعرف هَذِهِ الدَّرَجَاتُ : أَوَّلُهَا : إِدْرَاكُ الْإِنْسَانِ الْمَعَانِيَ الْحِسِّيَّةَ الْمُشَاهَدَةَ . وَثَانِيهَا : عَقْلُهُ لِمَعَانِيهَا الْكُلِّيَّةِ . وَثَالِثُهَا : تَعْرِيفُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي الْحِسِّيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ . فَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ الثَّلَاثُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ خِطَابٍ , فَإِذَا أَخْبَرْنَا عَنِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِنَا الْمَعَانِيَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَقَائِقِ الْمَشْهُودَةِ وَالِاشْتِبَاهَ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ بِتَعْرِيفِنَا الْأُمُورَ الْمَشْهُودَةَ , ثُمَّ إِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْفَارِقِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَصَصِ الْأُمَمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْفَارِقِ ، بِأَنْ يُقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ هَذَا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ انْتِفَاءُ الْمُمَاثَلَةِ كَانَتِ الْإِضَافَةُ وَحْدَهَا كَافِيَةً فِي بيان الفارق ، وانتفاء التساوي لا يمنع وُجُودُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ ، وَبِهِ صِرْنَا نَفْهَمُ الْأُمُورَ الْغَائِبَةَ وَلَوْلَا الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ مَا أَمْكَنَ ذَلِكَ قَطُّ .
قَوْلُهُ : " وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ " .
ش : لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ , قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الْبَقَرَةِ : 20 ] . { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } [ الْكَهْفِ : 45 ] . { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } [ سورة فاطر : 44 ] . { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ البقرة : 255 ] . " لا يئوده " أَيْ : لَا يَكْرِثُهُ 1 وَلَا يُثْقِلُهُ وَلَا يُعْجِزُهُ , فَهَذَا النَّفْيُ لِثُبُوتِ كَمَالِ ضِدِّهِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ نَفْيٍ يَأْتِي فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِثُبُوتِ كَمَالِ ضِدِّهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الْكَهْفِ : 49 ] ، لِكَمَالِ عَدْلِهِ . { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ } [ سورة سَبَإٍ : 3 ] ، لِكَمَالِ عِلْمِهِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ ق : 38 ] ، لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ . { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } [ الْبَقَرَةِ : 255 ] لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ . { لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } [ الْأَنْعَامِ : 103 ] ، لِكَمَالِ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ، وَإِلَّا فَالنَّفْيُ الصِّرْفُ لَا مَدْحَ فِيهِ ، ألا ترى أَنَّ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
قُبَيَّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ . . . وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
لَمَّا اقْتَرَنَ بِنَفْيِ الْغَدْرِ وَالظُّلْمِ عَنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ وَبَعْدَهُ ، وَتَصْغِيرُهُمْ بِقَوْلِهِ " قُبَيِّلَةٌ " عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ عَجْزُهُمْ وَضَعْفُهُمْ ، لَا كَمَالُ قُدْرَتِهِمْ , وَقَوْلُ الْآخَرِ :
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ . . . لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هانا
هامش
1 في " القاموس " : كرثه الغم يكرِثه ويكرُثه بكسر الراء وضمها : اشتد عليه ، كأكرثه .