وَقَالَ تَعَالَى ، فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لِأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ » . فَظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ حَظُّ الرَّبِّ ، وَطَلَبَ الْكَرَامَةِ حَظُّ النَّفْسِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِنْكَارِ الْكَرَامَةِ : ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إِنْكَارِ الْمَحْسُوسَاتِ . وَقَوْلُهُمْ : لَوْ صَحَّتْ لَاشْتَبَهَتْ بِالْمُعْجِزَةِ ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْتِبَاسِ النَّبِيِّ بِالْوَلِيِّ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ! وَهَذِهِ الدَّعْوَى إِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ يَأْتِي بِالْخَارِقِ وَيَدَّعِي النُّبُوَّةَ ، وَهَذَا لَا يَقَعُ ، وَلَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا ، بَلْ كَانَ مُتَنَبِّئًا كَذَّابًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ ، عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : " وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُجْتَبَى وَنَبِيُّهُ الْمُصْطَفَى " .
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا : أَنَّ الْفِرَاسَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ :
إِيمَانِيَّةٌ ، وَسَبَبُهَا نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ ، وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا خَاطِرٌ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ ، يَثِبُ عَلَيْهِ كَوُثُوبِ الْأَسَدِ عَلَى الْفَرِيسَةِ ، وَمِنْهَا اشْتِقَاقُهَا ( 1 ) ، وَهَذِهِ الْفِرَاسَةُ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ ، فَمَنْ كَانَ أَقْوَى إِيمَانًا أَخَذَ فِرَاسَتَهُ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْفِرَاسَةُ مُكَاشَفَةُ النَّفْسِ وَمُعَايَنَةُ الْغَيْبِ ، وَهِيَ مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ . انْتَهَى .
وَفِرَاسَةٌ رِيَاضِيَّةٌ ، وَهِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالتَّخَلِّي ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا
هامش
( 1 ) في الأصل « إشعالها » ! ولا معنى لها ، ولعل ما أثبتناه هو الصواب