تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
بِاللَّهِ تَعَالَى ! فَيُقَالُ لَهُ : غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ فِي الْآدَمِيِّ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْ صِفَةِ الْغَضَبِ ، [ لَا أَنَّهُ الْغَضَبُ ] ( 1 ) . وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : وَكَذَلِكَ الإرادة والمشيئة فينا ، هي مَيْلُ الْحَيِّ إِلَى الشَّيْءِ أَوْ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ وَيُنَاسِبُهُ ، فَإِنَّ الْحَيَّ مِنَّا لَا يُرِيدُ إِلَّا مَا يَجْلِبُ لَهُ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مَضَرَّةً ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يُرِيدُهُ ومفتقر إليه ، ويزداد بوجوده ، وينقص بِعَدَمِهِ . فَالْمَعْنَى الَّذِي صَرَفْتَ إِلَيْهِ اللَّفْظَ كَالْمَعْنَى الَّذِي صَرَفْتَهُ عَنْهُ سَوَاءٌ ، فَإِنْ جَازَ هَذَا جَازَ ذَاكَ ، وَإِنِ امْتَنَعَ هَذَا امْتَنَعَ ذَاكَ . فإن قالوا : [ الْإِرَادَةُ ] الَّتِي يُوصَفُ اللَّهُ بِهَا مُخَالِفَةٌ لِلْإِرَادَةِ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الْعَبْدُ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً ؟ قِيلَ لَهُ : فَقُلْ : إِنَّ الْغَضَبَ والرضا الَّذِي يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا يُوصَفُ بِهِ الْعَبْدُ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً . فَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ فِي الْإِرَادَةِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ ، لَمْ يَتَعَيَّنِ التَّأْوِيلُ ، بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ ؛ لِأَنَّكَ تَسْلَمُ مِنَ التَّنَاقُضِ ، وَتَسْلَمُ أَيْضًا مِنْ تَعْطِيلِ مَعْنَى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ بِلَا مُوجِبٍ . فَإِنَّ صَرْفَ الْقُرْآنِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ حَرَامٌ ، ولا يكون الموجب للصرف ما دل عَلَيْهِ عَقْلُهُ ، إِذِ الْعُقُولُ مُخْتَلِفَةٌ ، فَكَلٌّ يَقُولُ إن عقله دل عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْآخَرُ ! وَهَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِامْتِنَاعِ مُسَمَّى ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُثْبِتَ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ مَا يَعْهَدُهُ حَتَّى فِي صِفَةِ الْوُجُودِ ، فَإِنَّ وُجُودَ الْعَبْدِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَوُجُودَ الْبَارِي تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِهِ ، فَوُجُودُهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ ، وَوُجُودُ الْمَخْلُوقِ لَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ ، وَمَا سَمَّى بِهِ الرَّبُّ نَفْسَهُ وَسَمَّى بِهِ مَخْلُوقَاتِهِ ، مِثْلَ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ ، أَوْ سَمَّى بِهِ بَعْضَ صِفَاتِهِ ، كَالْغَضَبِ وَالرِّضَى ، وَسَمَّى بِهِ بَعْضَ صِفَاتِ عِبَادِهِ - فَنَحْنُ نَعْقِلُ بِقُلُوبِنَا مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ ، وَنَعْقِلُ أَنَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا ، لَكِنَّ هذا المعنى لا يوجد في
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ، ولعل الصواب إثباته من سائر النسخ . ن