أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَقْسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ . وَالثَّانِي : اعْتِقَادُهُ أَنَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حَقًّا . وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ إِلَّا مَا أَحَقَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } ( 1 ) . وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي ( ( الصَّحِيحَيْنِ ) ) مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ رَدِيفُهُ : يَا مُعَاذُ ، « أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ » . فَهَذَا حَقٌّ وَجَبَ بِكَلِمَاتِهِ التَّامَّةِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ ، لَا أَنَّ الْعَبْدَ نَفْسَهُ مُسْتَحِقٌّ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا كَمَا يَكُونُ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى الْعِبَادِ بِكُلِّ خَيْرٍ ، وَحَقُّهُمُ الْوَاجِبُ بِوَعْدِهِ هُوَ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ، وَتَرْكُ تَعْذِيبِهِمْ مَعْنًى لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ ، وَلَا أَنْ يُسْأَلَ بِسَبَبِهِ وَيُتَوَسَّلَ بِهِ ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَا نَصَبَهُ اللَّهُ سَبَبًا . وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي قَوْلِ الْمَاشِي إِلَى الصَّلَاةِ : « أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ » ، فَهَذَا حَقُّ السَّائِلِينَ ، هُوَ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ الَّذِي أَحَقَّ لِلسَّائِلِينَ أَنْ يُجِيبَهُمْ ، وَلِلْعَابِدِينَ أَنْ يُثِيبَهُمْ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ :
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ . . . كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ ، أَوْ نُعِّمُوا . . . فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الوَاسِعُ
فَإِنْ قِيلَ : فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِ الدَّاعِي : ( ( بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ ) ) وَبَيْنَ قَوْلِهِ : ( ( بِحَقِّ نَبِيِّكَ ) ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ أَنَّكَ وَعَدْتَ السَّائِلِينَ بِالْإِجَابَةِ ، وَأَنَا مِنْ جُمْلَةِ السَّائِلِينَ ، فَأَجِبْ دُعَائِي ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : بِحَقِّ فُلَانٍ - فَإِنَّ فُلَانًا وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ بِوَعْدِهِ
هامش
( 1 ) سورة الروم أية 47 .