فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ ، فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَعَالَى وَتَدَلِّيهِ . وَأَمَّا الَّذِي فِي سُورَةِ النَّجْمِ : أَنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَهَذَا هُوَ جِبْرِيلُ ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً فِي الْأَرْضِ ، وَمَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ بِجَسَدِهِ فِي الْيَقَظَةِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } ( 1 ) . وَالْعَبْدُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . فَيَكُونُ الْإِسْرَاءُ بِهَذَا الْمَجْمُوعِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَقْلًا ، وَلَوْ جَازَ اسْتِبْعَادُ صُعُودِ الْبَشَرِ لَجَازَ اسْتِبْعَادُ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِنْكَارِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ كُفْرٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْحِكْمَةُ فِي الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا ؟ فَالْجَوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِصِدْقِ دَعْوَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْرَاجَ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ نَعْتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَعَتَهُ لَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ عِيرِهِمُ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ ، وَلَوْ كَانَ عُرُوجُهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ مَكَّةَ لَمَا حَصَلَ ذَلِكَ ، إِذْ لَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُمْ عَلَى مَا فِي السَّمَاءِ لَوْ أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ ، وَقَدِ اطَّلَعُوا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَخْبَرَهُمْ بِنَعْتِهِ .
وَفِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ وُجُوهٍ ، لِمَنْ تَدَبَّرَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَوْلُهُ : ( وَالْحَوْضُ - الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ - حَقٌّ ) .
ش : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ تَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ ، رَوَاهَا مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا ، وَلَقَدِ اسْتَقْصَى طُرُقَهَا شَيْخُنَا الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ، فِي آخِرِ تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ ، الْمُسَمَّى
هامش
( 1 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية 11 .