عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ : فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ [ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا ] فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ : فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِي فَقَالَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ . فَقَالَ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي » . سُحْقًا : أَيْ بُعْدًا .
وَالَّذِي يَتَلَخَّصُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ : أَنَّهُ حَوْضٌ عَظِيمٌ ، وَمَوْرِدٌ كَرِيمٌ ، يُمَدُّ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ ، مِنْ نَهْرِ الْكَوْثَرِ ، الَّذِي هُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الِاتِّسَاعِ ، عَرْضُهُ وَطُولُهُ سَوَاءٌ ، كُلُّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ . وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : أَنَّهُ كُلَّمَا شُرِبَ مِنْهُ وَهُوَ فِي زِيَادَةٍ وَاتِّسَاعٍ ، وَأَنَّهُ يَنْبُتُ فِي حَالٍ مِنَ الْمِسْكِ وَالرَّضْرَاضِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ قُضْبَانَ الذَّهَبِ ، وَيُثْمِرُ أَلْوَانَ الْجَوَاهِرِ ، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ . وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ : « إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا ، وَإِنَّ حَوْضَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُهَا وَأَحْلَاهَا وَأَكْثَرُهَا وَارِدًا » . جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ .
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ( ( التَّذْكِرَةِ ) ) : وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ : أَيُّهُمَا يَكُونُ قَبْلَ الْآخَرِ ؟ فَقِيلَ : الْمِيزَانُ ، وَقِيلَ : الْحَوْضُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ ، فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ عِطَاشًا مِنْ قُبُورِهِمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ فَيُقَدَّمُ قَبْلَ الْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ . قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي كِتَابِ ( ( كَشْفِ عِلْمِ الْآخِرَةِ ) ) : حَكَى بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّصْنِيفِ ، أَنَّ الْحَوْضَ يُورَدُ بَعْدَ الصِّرَاطِ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هُوَ كَمَا قَالَ ، ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ، بَلْ فِي الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ ، أَرْضٍ بَيْضَاءَ كَالْفِضَّةِ ، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ ، وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ ، تَظْهَرُ لِنُزُولِ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ لِفَصْلِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 201
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٢٠١