تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } ( 1 ) ؟ ! فَبُهِتَ الْمُعْتَزِلِيُّ !
وَكَمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَغَيْرِهِمْ . قَالَ تَعَالَى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } ( 2 ) ، فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ ، فَرَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ ، فَإِذَا الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } ( 3 ) ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ ، مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ ، وَتَبْقَى بَرَكَتُهُ وَنُورُهُ » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْكَلَامِ ، وَإِثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ ، وَإِثْبَاتُ الْعُلُوِّ ، وَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الرَّبِّ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدًا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ } ( 4 ) ، فَأَهَانَهُمْ بِتَرْكِ تَكْلِيمِهِمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ تَكْلِيمَ تَكْرِيمٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، إِذْ قَدْ أَخْبَرَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ فِي النَّارِ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } ( 5 ) ، فَلَوْ كَانَ لَا يُكَلِّمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ، لَكَانُوا فِي ذَلِكَ هُمْ وَأَعْدَاؤُهُ سَوَاءً ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَخْصِيصِ أَعْدَائِهِ بِأَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ فَائِدَةٌ أَصْلًا . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَسَاقَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ . فَأَفْضَلُ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ رُؤْيَةُ وَجْهِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَتَكْلِيمُهُ لَهُمْ . فَإِنْكَارُ ذَلِكَ إِنْكَارٌ لِرُوحِ الْجَنَّةِ . وَأَعْلَى نَعِيمِهَا وَأَفْضَلِهِ الَّذِي مَا طَابَتْ لِأَهْلِهَا إِلَّا بِهِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ( 6 ) ، وَالْقُرْآنُ
هامش
( 1 ) سورة الْأَعْرَافِ آية 143 .
( 2 ) سورة يس آية 58 .
( 3 ) سورة يس آية 58 .
( 4 ) سورة آلِ عِمْرَانَ آية 77
( 5 ) سورة الْمُؤْمِنُونَ آية 108 .
( 6 ) سورة الرَّعْدِ آية 16 .