وَسَابِعُهَا : أَنَّ كَلَامَهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى قَائِمًا بِذَاتِهِ هُوَ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ .
وَثَامِنُهَا : أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَبَيْنَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَصْوَاتِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَمَنْ تَبِعَهُ .
وَتَاسِعُهَا : أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِهِ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ ، وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلَامِ قَدِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا ، وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ .
وَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ ) . إِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : ( إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ) ثُمَّ قَالَ : ( وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُصْطَفَى ) . وَكَسْرُ هَمْزَةِ إِنَّ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ ، لِأَنَّهَا مَعْمُولُ الْقَوْلِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ : ( نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ) .
وَقَوْلُهُ : ( كَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ بَدَا بِلَا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا ) : - رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ . فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآَنَ لَمْ يَبْدُ مِنْهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِهِمْ ، قَالُوا : وَإِضَافَتُهُ إِلَيْهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ ، كَبَيْتِ اللَّهِ ، وَنَاقَةِ اللَّهِ ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ! وَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ .
فَإِنَّ الْمُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَانٍ وَأَعْيَانٌ ، فَإِضَافَةُ الْأَعْيَانِ إِلَى اللَّهِ لِلتَّشْرِيفِ ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لَهُ ، كَبَيْتِ اللَّهِ ، وَنَاقَةِ اللَّهِ ، بِخِلَافِ إِضَافَةِ الْمَعَانِي ، كَعِلْمِ اللَّهِ ، وَقُدْرَتِهِ ، وَعِزَّتِهِ ، وَجَلَالِهِ ، وَكِبْرِيَائِهِ ، وَكَلَامِهِ ، وَحَيَاتِهِ ، وَعُلُوِّهِ ، وَقَهْرِهِ - فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ صِفَاتِهِ ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَخْلُوقًا .
وَالْوَصْفُ بِالتَّكَلُّمِ مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ ، وَضِدُّهُ مِنْ أَوْصَافِ النَّقْصِ . قَالَ تَعَالَى : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا }
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 129
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص١٢٩