الَّتِي خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ ، مِنَ الْأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَلْزَمَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ ( 1 ) ، بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ مَعَهُ مُلْتَزِمًا أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ نَصِّ التَّنْزِيلِ ، وَأَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ ، فَقَالَ بِشْرٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لِيَدَعْ مُطَالَبَتِي بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ، وَيُنَاظِرْنِي بِغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَهُ وَيَرْجِعْ عَنْهُ ، وَيُقِرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ السَّاعَةَ وَإِلَّا فَدَمِي حَلَالٌ . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : تَسْأَلُنِي أَمْ أَسْأَلُكَ ؟ فَقَالَ بِشْرٌ : اسْأَلْ ( 2 ) أَنْتَ ، وَطَمِعَ فِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : يَلْزَمُكَ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ لَا بُدَّ مِنْهَا : إِمَّا أَنْ تَقُولَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ عِنْدِي أَنَا كَلَامُهُ - فِي نَفْسِهِ ، أَوْ خَلَقَهُ قَائِمًا بِذَاتِهِ وَنَفْسِهِ ، أَوْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ ؟ قَالَ : أَقُولُ : خَلَقَهُ كَمَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا . وَحَادَ عَنِ الْجَوَابِ . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : اشْرَحْ أَنْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَدَعْ بِشْرًا فَقَدِ انْقَطَعَ . فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : إِنْ قَالَ خَلَقَ كَلَامَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَهَذَا مُحَالٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ الْمَخْلُوقَةِ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ ( 3 ) وَإِنْ قَالَ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ كَلَامُهُ ، فَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ يُلْزِمُ قَائِلَهُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ - هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ! ( 4 ) وَإِنْ قَالَ خَلَقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ ، فَهَذَا مُحَالٌ : لَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا مِنْ مُتَكَلِّمٍ ، كَمَا لَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إِلَّا مِنْ مُرِيدٍ ، وَلَا الْعِلْمُ
هامش
( 1 ) عبد العزيز المكي : هو عبد العزيز بن يحيى الكناني ، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي . قدم بغداد أيام المأمون ، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في خلق القرآن بحضرة الخليفة المأمون ، وصنف كتاب « الحيدة " أثبت فيه نص مناظرته لبشر . ومات عبد العزيز الكناني سنة 240 رحمه الله . وكتابه « الحيدة " طبع مرارًا ، آخرها بمطبعة الإمام بمصر ، بعناية الابن الفاضل الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الشيخ ، في هذا العام 1373 ه - .
( 2 ) الزيادة ضرورية لصحة المعنى ، من « الحيدة " ، ص : 80 .
( 3 ) في المطبوعة : « ولا يكون منه شيء مخلوقًا » وصححناه من « الحيدة " ص : 82 .
( 4 ) في المطبوعة : « وإن قال خلقه في غيره ، فهو كلامه » ! وهي جملة ناقصة لا معنى لها ، ولخصنا ما ذكرنا من « الحيدة " ، ص : 82 .