مُجَاوَزَتَهُ إِلَى مَا يُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ ، فَابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مِنْ حِينِ غَيَّرَ النِّيَّةَ ، فَإِنَّمَا يَتَرَخَّصُ إِذَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى الْمَقْصِدِ الثَّانِي مَرْحَلَتَانِ . وَلَوْ خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ طَوِيلٍ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ .
فَصْلٌ
وَأَمَّا كَوْنُ السَّفَرِ مُبَاحًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، سَوَاءً كَانَ طَاعَةً أَوْ تِجَارَةً ، وَلَا يَتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، كَهَرَبِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ ، وَالْمَرْأَةِ مِنَ الزَّوْجِ ، وَالْغَرِيمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ ، وَالْمُسَافِرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ لِلزِّنَى أَوْ قَتْلِ الْبَرِيءِ . وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مُبَاحًا وَيَرْتَكِبُ الْمَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ فَلَهُ التَّرَخُّصُ . وَلَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ . وَلَوْ أَنْشَأَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ وَغَيَّرَ قَصْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ صَوْبِ السَّفَرِ ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ : ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . إِنْ كَانَ مِنْهُ إِلَى مَقْصِدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ - تَرَخَّصَ ، وَإِلَّا فَلَا . وَقِيلَ : فِي التَّرَخُّصِ وَجْهَانِ ، كَمَا لَوْ نَوَى مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً . ثُمَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَقْصُرُ ، وَلَا يُفْطِرُ ، وَلَا يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَلَا يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، عَلَى الصَّحِيحِ . وَالثَّانِي : لَا يَمْسَحُ أَصْلًا . وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ . وَقِيلَ : وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَا يَجُوزُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا بِالتَّوْبَةِ . وَالثَّانِي : الْجَوَازُ . كَمَا يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ الْعَاصِي عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ . وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : لَا يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ الْعَاصِي لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّوْبَةِ .
قُلْتُ : وَلَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَنِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ ، وَفِي تَيَمُّمِهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 388
مساهمون: النووي
ص٣٨٨