ترجمة صاحب حاشية البحر
السيد محمد أمين الشهير بابن عابدين رحمه الله
وهو وإن كان كبير القدر شهير الذكر لا تستقصى مناقبه في مجلدات ، غير أننا أحببنا أن
لا يفوتنا التبرك بذكر شئ من سيرته لأنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمات فنقول : هو العلامة
المتقن والإمام المتفنن ، السيد محمد أمين عابدين ابن السيد الشريف عمر عابدين ، ينتهي نسبه
الشريف إلى الإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه ، وقد استوفى ذكر أجداده الكرام مع طرف صالح من مرضي سيرته وكريم خليقته وذكر
مؤلفاته وسني حالاته ، ولده المرحوم العلامة السيد محمد علاء الدين في أول كتابه " قرة عيون
الأخيار لتكملة رد المختار على الدر المختار " . ومجمل القول في المترجم المذكور أنه رحمه الله كان
ممن يتذكر به سيرة السلف الصالحين من وفور العلم وكثرة التفنن ومتانة الدين ، فبعد غوره في
العلوم تشهد به مؤلفاته الشهيرة وما تحويه من ثاقب إفهامه واقتداره على حل العويصات وكشف
المدلهمات الكثيرة ، فله رحمه الله من التآليف : " رد المحتار على الدر المختار " " والعقود الدرية في
تنقيح الفتاوى الحامدية " وحاشية على " البيضاوي " وحاشية على " المطول " وحاشية على " شرح
الملتقى " وحاشية على " النهر " إلا أنهما لم يجردا ، وهذا الحاشية التي على البحر ، وله مجموعة في
الأدب ونحو الثلاثين رسالة وغير ذلك ، وكان حسن الأخلاق والسمات مقسما زمنه الشريف
على أنواع الطاعات ، وربما استغرق ليله أجمع بقراءة القرآن والبكاء ، ولا يدع وقتا من أوقاته من
غير طهارة ، وكان كثير التصدق ، بعيدا عن الشبهات ، لا يأكل إلا من مال تجارته ، وكان مهابا
مطاع الكلمة ، وبالجملة فأخلاقه الشريفة لا تنحصر ، ولد رحمه الله سنة 1198 ومات رحمه الله
ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة 1252 ، عن أربع وخمسين سنة تقريبا
بدمشق الشام ودفن بمقبرتها بباب الصغير ، لا زالت عليه سحائب الرحمات تمطر ولا برحت
دار الخلد له فيها المقام الأشهر ، ثم إن هذه الحاشية قد ازدادت حلية بتنميق العلامة الإمام
والفهامة الهمام ، فريد عصره ووحيد دهره ، المرحوم السيد أحمد عابدين ابن عم المؤلف لها
بخطه الكريم وتحريره لها بالقراءة وإمعان الفكر وإدمان النظر المستقيم . وعند الشروع في الطبع
سمح خاطر ورثته متع الله الوجود بدوامهم وأدام على المسلمين بركة أنفاسهم ومنافع علومهم ،
بإعطاء تلك الحاشية مع شرح البحر الذي تحلت غرره بخط المؤلف بهذا الحاشية ليكون الطبع
والتصحيح على تلك الخطوط الزاهية ، فجزى الله ذلك الصنيع خيرا ومنحهم رضا ووقاهم
ضيرا آمين .