واعتبار معنى الجريان ساقط ولهذا لا يشترط التوالي في النزح حتى لو نزح في كل يوم دلو
جاز ، ويتفرع على عدم اشتراط التوالي أنه إذا نزح البعض ثم ازداد في الغد ، وقيل ينزح
كله ، وقيل مقدار البقية . هذا مع أن في اشتراط التوالي خلافا نقله في معراج الدراية لكن
المختار عدم اشتراطه ، وأنه إذا ازداد في اليوم الثاني لا ينزح إلا ما بقي . إليه أشار في
الخلاصة . وأشار المصنف رحمه الله بقوله بموت نحو فارة إلى أن ما يعادل الفأرة في الجثة
حكمه حكمها وأورد عليه سؤالا وجوابا في المستصفى فقال : فإن قيل قد مر أن مسائل الآبار
مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفارة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها قلنا :
بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وقف القياس في حق التفريع عليه كما في
الإجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها ا ه . ولا يخفى ما فيه فإنه ظاهر في أن
للرأي مدخلا في بعض مسائل الآبار وليس كذلك فالأولى أن يقال : إن هذا إلحاق بطريق
الدلالة لا بالقياس كما اختاره في معراج الدراية .
قوله : ( وأربعون بنحو حمامة ) أي ينزح أربعون دلوا وسطا بموت نحو حمامة وقد تقدم
دليله قريبا ، وقد ذكر المصنف في هذين النوعين القدر الواجب ولم يذكر المستحب ولم يتعرض
له الشارح الزيلعي أيضا ، والمذكور في غيرهما أن المستحب في نحو الفأرة عشرة ، وفي نحو
الدجاجة اختلف كلام محمد في الأصل والجامع الصغير ، ففي الأصل ما يفيد أن المستحب
عشرون ، وفي الجامع الصغير عشرة . قال في الهداية : وهو الأظهر . وعلل له في غاية البيان
بأن الجامع الصغير صنف بعد الأصل فأفاد أن الظهور من جهة الرواية لا من جهة الدراية .
وقد يقال من جهة الدراية إن الذي يضعف بسبب كبر الحيوان ، إنما هو الواجب لا
المستحب . واعلم أن القدر المستحب المذكور لم يصرح به في ظاهر الرواية وإنما فهمه بعض
المشايخ من عبارة محمد رحمه الله حيث قال : ينزح في الفارة عشرون أو ثلاثون ، وفي الهرة
أربعون أو خمسون فلم يرد به التخيير ، بل أراد به بيان الواجب والمستحب ، وليس هذا الفهم
بلازم بل يحتمل أنه إنما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر ففي الصغير ينزح
الأقل ، وفي الكبير ينزح الأكثر . وقد اختار هذا بعضهم كما نقله في البدائع ، ولعل هذا هو
البحر الرائق — صفحة 209
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٢٠٩