تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 872

مساهمون:

ص٨٧٢
وَحَكَى عَنْهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ . فَتَأَمَّلُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ! كَيْفَ حَالُ الِاعْتِقَادِ فِي الْفَتْوَى عَلَى الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الْعَرَضِ الْعَاجِلِ ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ . وَالْعَاشِرُ : رَأْيُ أَهْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ ، فَإِنَّ مَحْصُولَ مَذْهَبِهِمْ تَحْكِيمُ عُقُولِ الرِّجَالِ دُونَ الشَّرْعِ ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَهِلُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ ، بِحَيْثُ إِنَّ الشَّرْعَ إِنْ وَافَقَ آرَاءَهُمْ قَبِلُوهُ ، وَإِلَّا رَدُّوهُ . فَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى كَوْنِهِمْ وَسَائِلَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا ضَلَالٌ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ، وَإِنَّ الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ وَالْحَاكِمَ الْأَعْلَى هُوَ الشَّرْعُ لَا غَيْرُ . ثُمَّ نَقُولُ : إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ رَأَى سَيْرَهُمْ وَالنَّقْلَ عَنْهُمْ وَطَالَعَ أَحْوَالَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينًا . أَلَا تَرَى أَصْحَابَ السَّقِيفَةِ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْإِمَارَةِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَأَتَى الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ « الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ » أَذْعَنُوا لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِمَ يَعْبَؤُوا بِرَأْيِ مَنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ .