تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 863

مساهمون:

ص٨٦٣
وَالتَّصْوِيبُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ عَمَّنْ نَقَلُوا عَنْهُ وَمُوَافَقَتُهُمْ لِمَنْ قَلَّدُوا ، أَوْ خِلَافَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُقَلِّدُونَ بِالْعَرْضِ ، فَلَا يَسَعُهُمُ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ ، إِذْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهُ ، فَلَا يَصِحُّ تَعَرُّضُهُمْ لِلِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ دَرَجَتِهِ . فَإِنْ فُرِضَ انْتِصَابُهُ لِلِاجْتِهَادِ فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ ، أَصَابَ أَمْ لَمْ يُصِبْ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ ، وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ الدَّرَجَةِ وَقَفَا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ ، فَإِصَابَتُهُ - إِنْ أَصَابَ - مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي ، وَخَطَؤُهُ هُوَ الْمُعْتَادُ ، فَلَا يَصِحُّ اتِّبَاعُهُ كَسَائِرِ الْعَوَامِّ إِذَا رَامُوا الِاجْتِهَادَ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَامِّيِّ كَالْعَدَمِ ، وَأَنَّهُ فِي مُخَالَفَتِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ آثِمٌ مُخْطِئٌ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ - مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ - تَقْلِيدُ غَيْرِ مُجْتَهِدٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَتَى فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ ؟ وَلَقَدْ زَلَّ - بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الدَّلِيلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الرِّجَالِ - أَقْوَامٌ خَرَجُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ جَادَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ . وَلْنَذْكُرْ عَشَرَةَ أَمْثِلَةً : أَحَدُهَا : وَهُوَ أَشَدُّهَا ، قَوْلُ مَنْ جَعَلَ اتِّبَاعَ الْآبَاءِ فِي أَصْلِ الدِّينِ هُوَ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، حَتَّى رَدُّوا بِذَلِكَ بَرَاهِينَ الرِّسَالَةِ ، وَحُجَّةَ الْقُرْآنِ وَدَلِيلَ الْعَقْلِ فَقَالُوا : { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } [ الزخرف : 22 ] . فَحِينَ نُبِّهُوا عَلَى وَجْهِ الْحُجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } [ الزخرف : 24 ]
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 863 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي