تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 860

مساهمون:

ص٨٦٠
ثُمَّ نَقُولُ : إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ : أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتِّبَاعُهُ لِلْوَحْيِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ . وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُؤَالِفٍ أَوْ مُخَالِفٍ شَهِيرٍ عَنْهُمْ ، فَلَا نُطِيلُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ . فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَتَّبِعُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الشَّرِيعَةِ ، قَائِمٌ بِحُجَّتِهَا ، حَاكِمٌ بِأَحْكَامِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَأَنَّهُ مَنْ وُجِدَ مُتَوَجِّهًا غَيْرَ تِلْكَ الْوُجْهَةِ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ أَوْ فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا وَلَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدًى بِهِ فِيمَا حَادَ فِيهِ عَنْ صَوْبِ الشَّرِيعَةِ أَلْبَتَّةَ . فَيَجِبُ إِذًا عَلَى النَّاظِرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرَانِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَتَّبِعَ الْعَالِمَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ عَالِمٌ بِالْعِلْمِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ طَرِيقٌ إِلَى اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ ، إِذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ إِلَّا كَوْنُهُ مُودَعًا لَهُ ، وَمَأْخُوذًا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْأَمَانَةِ ، حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيمَا يُلْقِي ، أَوْ تَارِكٌ لِإِلْقَاءِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ مُنْحَرِفٌ عَنْ صَوْبِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِانْحِرَافِ ، تَوَقَّفَ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الِاتِّبَاعِ إِلَّا بَعْدَ التَّبْيِينِ ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُلْقِيهِ الْعَالِمُ يَكُونُ حَقًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، لِإِمْكَانِ الزَّلَلِ وَالْخَطَإِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الْمُتَّبِعُ نَاظِرًا فِي الْعِلْمِ وَمُتَبَصِّرًا فِيمَا يُلْقِي إِلَيْهِ كَأَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِنَا ، فَإِنَّ تَوَصُّلَهُ إِلَى الْحَقِّ سَهْلٌ ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْكُتُبِ إِمَّا تَحْتَ حِفْظِهِ ، وَإِمَّا مُعَدَّةٌ لِأَنْ يُحَقِّقَهَا بِالْمُطَالَعَةِ أَوِ الْمُذَاكَرَةِ . اجْتِهَادُ الْعَامِّيِّ فِي اخْتِيَارِ مَنْ يُقَلِّدُ وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا صِرْفًا فَيَظْهَرُ لَهُ الْإِشْكَالُ عِنْدَمَا يَرَى الِاخْتِلَافَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 860 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي