تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 815

مساهمون:

ص٨١٥
يَعْرِفْ أَنَّ الْمَعْنَى : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ إِذَا أَصَابَتْكُمُ الْمَصَائِبَ ، وَلَا تَنْسُبُوهَا إِلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَصَابَكُمْ بِذَلِكَ لَا الدَّهْرُ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُ الدَّهْرَ وَقَعَ السَّبُّ عَلَى الْفَاعِلِ لَا عَلَى الدَّهْرِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَنْسُبَ الْأَفْعَالَ إِلَى الدَّهْرِ فَتَقُولُ : أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي مَالِهِ ، وَنَابَتْهُ قَوَارِعُ الدَّهْرِ وَمَصَائِبِهِ . فَيَنْسُبُونَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ تَجْرِي بِهِ أَقْدَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِلَى الدَّهْرِ ، فَيَقُولُونَ : لَعَنَ اللَّهُ الدَّهْرَ ، وَمَحَا اللَّهُ الدَّهْرَ . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَسُبُّونَهُ لِأَجْلِ الْفِعَالِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَبُّوا الْفَاعِلَ ، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ ، فَكَأَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ كَيْفَ يَقَعُ الْخَطَأُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَالصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بُرَآءٌ مِنْ ذَلِكَ . لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ لَمْ يَحْتَاجُوا فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَدَوَاتٍ وَلَا تَعَلُّمٍ ، ثُمَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَرَبِيِّ اللِّسَانِ تَكَلَّفَ ذَلِكَ حَتَّى عَلِمَهُ ، وَحِينَئِذٍ دَاخَلَ الْقَوْمَ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَتَنْزِيلِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي فِيهَا كَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ ، فَكُلُّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ فِي تَنْزِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ - إِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 815 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي