غَائِلَتِهِ ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَقَعَ مَعَهُ فِي مَذْهَبِهِ وَيَصِيرَ مِنْ شِيعَتِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ فِي قَلْبِهِ شَكًّا يَطْمَعُ فِي الِانْفِصَالِ عَنْهُ فَلَا يَقْدِرُ .
هَذَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَا يُضَارُّهُ وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهَا غَالِبًا إِلَّا مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ وَالْأُنْسِ بِهِ ، وَالِاعْتِيَادِ لِحُضُورِ مَعْصِيَتِهِ . وَقَدْ أَتَى فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ نَهَوْا عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ وَكَلَامِ مُكَالِمِهِمْ ، وَأَغْلَظُوا فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي آثَارٌ جَمَّةٌ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِلْ مُخَالَطَةَ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْجَرَبِ .
وَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ قَالَ : قَدِمَ غَيْلَانُ مَكَّةَ يُجَاوِرُ بِهَا ، فَأَتَى غَيْلَانُ مُجَاهِدًا فَقَالَ : يَا أَبَا الْحَجَّاجِ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْهَى النَّاسَ عَنِّي وَتَذْكُرُنِي ، وَأَنَّهُ بَلَغَكَ عَنِّي شَيْءٌ لَا أَقُولُهُ ؟ إِنَّمَا أَقُولُ كَذَا ، فَجَاءَ بِشَيْءٍ لَا يُنْكَرُ ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا تُجَالِسُوهُ فَإِنَّهُ قَدَرِيٌّ . قَالَ حُمَيْدٌ : فَإِنِّي لَمَّا كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي الطَّوَافِ لَحِقَنِي غَيْلَانُ مِنْ خَلْفِي يَجْذِبُ رِدَائِي ، فَالْتَفَتُّ فَقَالَ : كَيْفَ يَقُولُ مُجَاهِدٌ خَرِفَ وَكَذَا ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَمَشَى مَعِي ، فَبَصُرَ بِي مُجَاهِدٌ مَعَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَجَعَلْتُ أُكَلِّمُهُ فَلَا يَرُدُّ عَلَيَّ ، وَأَسْأَلُهُ فَلَا يُجِيبُنِي
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 790
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٩٠