الْأَدِلَّةِ وَتَرُدُّ مَا سِوَاهَا إِلَيْهَا ، أَوْ تُهْمِلُ اعْتِبَارَهَا بِالتَّرْجِيحِ ، إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِنَ الظَّنِّيَّاتِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا التَّرْجِيحُ ، أَوْ تَدَّعِي أَنَّ أَصْلَهَا الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ قَطْعِيٌّ وَالْمُعَارِضَ لَهُ ظَنِّيٌّ فَلَا يَتَعَارَضَانِ .
وَإِنَّمَا كَانَتْ طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، أَمَا وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ مَآخِذُ الْخِلَافِ فَمُحَالٌ ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [ هود : 118 ] .
فَتَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - كَيْفَ صَارَ الِاتِّفَاقُ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ لِيُصَدِّقَ الْعَقْلُ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ .
وَالْحَاصِلُ ، أَنَّ تَعْيِينَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فِي مِثْلِ زَمَانِنَا صَعْبٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَابُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ ، وَهُوَ نُكْتَةُ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلْيَقَعْ بِهِ فَضْلُ اعْتِنَاءِ مَا هَيَّأَهُ اللَّهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَلَامًا كَثِيرًا أَرْجَأْنَا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَى بَابٍ آخَرَ ، وَذِكْرَهُ فِيهِ عَلَى حِدَتِهِ ، إِذْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
[ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْهَالِكَةِ الْمُبْتَدِعُ فِي الْجُزَيْئَاتِ كَالْمُبْتَدِعُ فِي الْكُلِّيَّاتِ ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ
أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً » وَحَتَّمَ ذَلِكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الْفِرَقِ إِلَّا الْمُخَالِفَ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ وَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ ، وَلَمْ يَنْتَظِمِ الْحَدِيثُ - عَلَى الْخُصُوصِ - إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَوَاعِدِ ، وَأَمَّا مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعْ مَا يَنْقُضُ أَمْرًا كُلِّيًّا ، أَوْ يَخْرِمُ أَصْلًا مِنَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 764
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٦٤