تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 754

مساهمون:

ص٧٥٤
عَنْهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ . وَأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ نَقُولَ : وَمِنْ شَرْطِ خُرُوجِهِ مِنْ تِبَاعَةِ الْقَتْلِ مَعَ التَّوْبَةِ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ : إِمَّا بِبَذْلِ الْقِيمَةِ لَهُ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ فَوْتِ الْمَقْتُولِ . فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَدِلَّةِ ، فَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي تَجِدُ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْمُخَوِّفِ جِدًّا . وَانْظُرْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ آل عمران : 105 ] فَهَذَا وَعِيدٌ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [ آل عمران : 106 ] وَتَسْوِيدُ الْوُجُوهِ عَلَامَةُ الْخِزْيِ وَدُخُولِ النَّارِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [ آل عمران : 106 ] وَهُوَ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { فَذُوقُوا الْعَذَابَ } [ آل عمران : 106 ] وَهُوَ تَأْكِيدٌ آخَرُ . وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ . لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا اتُّبِعَ فِي بِدْعَتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّلَافِي - غَالِبًا - فِيهَا ، وَلَمْ يَزَلْ أَثَرُهَا فِي الْأَرْضِ يَسْتَطِيلُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِهِ ، فَهِيَ أَدْهَى مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ . قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : إِنَّ الْعَبْدَ لَوِ ارْتَكَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ بَعْدَ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ ، لِأَنَّ كُلَّ ذَنَبٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ ، وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ ، إِنَّمَا يُهْوَى بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَهَذَا مِنْهُ نَصٌّ فِي إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 754 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي