الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ . يَحْتَمِلُ عَدَمَ التَّكْفِيرِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا نُفُوذُ الْوَعِيدِ
وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ فَيَحْتَمِلُ - عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ - أَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : نُفُوذُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ غُفْرَانٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ .
وَقَوْلُهُ هُنَا : « كُلُّهَا فِي النَّارِ » أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهَا . وَالْأَمْرُ الثَّانِي مِنِ احْتِمَالِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمَشِيئَةِ
فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ إِنْفَاذُ الْوَعِيدِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ . قِيلَ : بَلَى ؛ قَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ دَلَّهُمُ الدَّلِيلُ فِي خُصُوصِ كَبَائِرَ عَلَى أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَلَابُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُتَّبَعَ هُوَ الدَّلِيلُ ، فَكَمَا دَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَشِيئَةِ ، كَذَلِكَ دَلَّهُمْ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } [ النساء : 93 ] . فَأَخْبَرَ أَوَّلًا أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " { خَالِدًا فِيهَا } [ النساء : 93 ] " عِبَارَةٌ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ فِيهَا ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْغَضَبِ ، ثُمَّ بِلَعْنَتِهِ ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] وَالْإِعْدَادُ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِلَى الْمُعَدِّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهِ لِلْمُعَدِّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ تَحَلُّلُهُمْ أَوْ رَدُّ التِّبَاعَاتِ إِلَيْهِمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى الْقَاتِلِ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 753
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٥٣