تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 707

مساهمون:

ص٧٠٧
وَأَيْضًا ، فَالْآيَاتُ إِنْ دَلَّتْ بِصِيَغِ عُمُومِهَا فَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ بِمَعَانِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ فِي الْعِلَّةِ . فَإِنْ قِيلَ : الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ رَاجِعٌ إِلَى حُكْمِ الْآخِرَةِ ، وَالْقِيَاسُ لَا يَجْرِي فِيهَا . فَالْجَوَابُ : إِنَّ كَلَامَنَا فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَهَلْ يُحْكَمُ لَهُمْ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا أَمْرُ الْآخِرَةِ لِلَّهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ الأنعام : 159 ] . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونُوا خَارِجِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ شَرَائِعِهِ وَأُصُولِهِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ . وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ فَارَقَ الْإِسْلَامَ لَكِنَّ مَقَالَتَهُ كُفْرٌ وَتُؤَدِّي مَعْنَى الْكُفْرِ الصَّرِيحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُفَارِقْهُ ، بَلِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ عَظُمَ مَقَالُهُ وَشُنِّعَ مَذْهَبُهُ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَبْلَغَ الْخُرُوجِ إِلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ وَالتَّبْدِيلِ الصَّرِيحِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ بِحَسْبِ كُلِّ نَازِلَةٍ ، وَبِحَسْبِ كُلِّ بِدْعَةٍ ، إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْبِدَعَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ كَاتِّخَاذِ الْأَصْنَامِ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ كَالْقَوْلِ بِالْجِهَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْكَارِ الْقِيَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .