تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
أَلَّا تَرَى إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ كَيْفَ خَرَجُوا عَنِ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الصَّيْدِ الْمَرْمِيِّ ؟ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَهُمْ : « بِأَنَّهُمْ يَقْرَؤُنَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ » ، يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ لَا يَتَفَقَّهُونَ بِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ لِأَنَّ الْفَهْمَ رَاجِعٌ إِلَى الْقَلْبِ ، فَإِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْقَلْبِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ فَهْمٌ عَلَى حَالٍ ، وَإِنَّمَا يَقِفُ عِنْدَ مَحَلِّ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ فَقَطْ ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ مَنْ يَفْهَمُ وَمَنْ لَا يَفْهَمُ ، وَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعَلَمَ انْتِزَاعًا » إِلَى آخِرِهِ . وَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَخَرَّجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ : خَلَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَاتَ يَوْمٍ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ : كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ : كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ - زَادَ سَعِيدٌ وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ - قَالَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : إِنَّمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ فَقَرَأْنَاهُ ، وَعَلِمْنَا فِيمَا أُنْزِلَ ، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يَدْرُونَ فِيمَا نَزَلَ ، فَيَكُونُ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا ، وَقَالَ سَعِيدٌ : فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا ، وَقَالَ سَعِيدٌ فَيَكُونُ لَكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا . قَالَ : فَزَجَرَهُ عُمَرُ وَانْتَهَرَهُ عَلِيٌّ فَانْصَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَنَظَرَ عُمَرُ فِيمَا قَالَ فَعَرَفَهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِدْ عَلَيَّ مَا قُلْتَهُ . فَأَعَادَ عَلَيْهِ ، فَعَرَفَ عُمَرُ قَوْلَهُ وَأَعْجَبَهُ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 691 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي