تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 685

مساهمون:

ص٦٨٥
وَتَأَذِّيهِ بِرُؤْيَتِهِمْ أَوَانَ تَطَلُّعِهِ مِنْ عَلَالِيهِ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَقِيٍّ : لَا حِيلَةَ عِنْدِي فِيهِ ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَاطَ بِحُرْمَةِ الْحَبْسِ فَقَالَ لَهُ : تَكَلَّمْ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَعَرِّفْهُمْ رَغْبَتِي ، وَمَا أَجْزَلَهُ مِنْ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ فِيهِ . فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا لِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً . فَتَكَلَّمَ ابْنُ بَقِيٍّ مَعَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا ، فَغَضِبَ النَّاصِرُ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ الْوُزَرَاءَ بِالتَّوْجِيهِ فِيهِمْ إِلَى الْقَصْرِ ، وَتَوْبِيخِهِمْ ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ الْوُزَرَاءِ مُكَالَمَةٌ ، وَلَمْ يَصِلِ النَّاصِرُ مَعَهُمْ إِلَى مَقْصُودِهِ . وَبَلَغَ ابْنَ لُبَابَةَ هَذَا الْخَبَرُ فَدَفَعَ إِلَى النَّاصِرِ بَعْضًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ : إِنَّهُمْ حَجَرُوا عَلَيْهِ وَاسِعًا . وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لَأَفْتَاهُ بِجَوَازِ الْمُعَارَضَةِ ، وَتَقَلَّدَ حَقًّا وَنَاظَرَ أَصْحَابَهُ فِيهَا . فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِنَفْسِ النَّاصِرِ ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ لُبَابَةَ إِلَى الشُّورَى عَلَى حَالَتِهِ الْأَوْلَى ، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِعَادَةِ الْمَشُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ . فَاجْتَمَعَ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ وَجَاءَ ابْنُ لَبَابَةَ آخِرَهُمْ . وَعَرَّفَهُمُ الْقَاضِي ابْنُ بَقِيٍّ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَمَعَهُمْ مِنْ أَجْلِهَا وَغِبْطَةِ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا . فَقَالَ جَمِيعُهُمْ بِقَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَبْسِ عَنْ وَجْهِهِ - وَابْنِ لُبَابَةَ سَاكِتٌ - فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي : مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَّا قَوْلُ إِمَامِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَالَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ . وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْحَبْسَ أَصْلًا ، وَهُمْ عُلَمَاءُ أَعْلَامٌ يَقْتَدِي بِهِمْ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ ، وَإِذَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى هَذَا الْمُجَشِّرِ مَا بِهِ ، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِدَ عَنْهُ ، وَلَهُ فِي السُّنَّةِ فُسْحَةٌ ، وَأَنَا أَقُولُ بِقَوْلِ أَهَّلِ الْعِرَاقِ ، وَأَتَقَلَّدُ ذَلِكَ رَأْيًا . فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! تَتْرُكُ قَوْلَ مَالِكٍ الَّذِي أَفْتَى بِهِ أَسْلَافَنَا وَمَضَوْا عَلَيْهِ وَاعْتَقَدْنَاهُ بَعْدَهُمْ وَأَفْتَيْنَا بِهِ لَا نَحِيدُ عَنْهُمْ بِوَجْهٍ ، وَهُوَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ