قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَكَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي سَعَةٌ مِنْ تَرْكِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، أَوْ مِمَّا هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ - أَنْ يَدَعَ مَا يُرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيبُهُ ، إِذْ يَزُولُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ الشَّكُّ ، كَمَنْ يُرِيدُ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَتُخْبِرُهُ امْرَأَةٌ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْهُ وَإِيَّاهَا وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَهَا مَنْ كَذِبِهَا ، فَإِنْ تَرَكَهَا أَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ الرِّيبَةَ اللَّاحِقَةَ لَهُ بِسَبَبِ إِخْبَارِ الْمَرْأَةِ ، وَلَيْسَ تَزَوُّجُهُ إِيَّاهَا بِوَاجِبٍ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقْدَمَ ، فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَى حِلِّيَّةِ تِلْكَ الزَّوْجَةِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْبُيُوعِ فَلَمْ يَدْرِ أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ ؟ فَفِي تَرْكِهِ سُكُونُ النَّفْسِ وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ ، كَمَا فِي الْإِقْدَامِ شَكٌّ : هَلْ هُوَ آثِمٌ أَمْ لَا ؟ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّوَّاسِ وَوَابِصَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُشْتَبِهَاتِ ، لَا مَا ظَنَّ أُولَئِكَ مِنْ أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْجُهَّالِ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَا رَأَتْهُ أَنْفُسُهُمْ ، وَيَتْرُكُوا مَا اسْتَقْبَحُوهُ دُونَ أَنْ يَسْأَلُوا عُلَمَاءَهُمْ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتَ عَلِيَّ حَرَامٌ . فَسَأَلَ الْعُلَمَاءَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ بَانَتْ مِنْكَ بِالثَّلَاثِ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا حَلَالٌ غَيْرَ أَنَّ عَلَيْكَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ إِلَى نِيَّتِهِ إِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ . أَوِ الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ . أَوْ يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ . وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ : أَيَكُونُ هَذَا اخْتِلَافًا فِي الْحُكْمِ كَإِخْبَارِ الْمَرْأَةِ بِالرِّضَاعِ فَيُؤْمَرُ هُنَا بِالْفِرَاقِ ، كَمَا يُؤْمَرُ هُنَاكَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ أَوْ لَا ؟ قِيلَ : حُكْمُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ ثُمَّ يُقَلِّدُ الْأَرْجَحَ . فَهَذَا مُمْكِنٌ ، وَالْحَزَّازَةُ مُرْتَفِعَةٌ بِهَذَا الْبَحْثِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 664
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٦٤