وَقَالَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ : إِذَا رَأَيْتَ الْحِجَازِيَّ يُحِبُّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ ، وَإِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَتَنَاوَلُهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ هِشَامٍ : مَا سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ لَعَنَ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا رَجُلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : رَجُلٌ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ لَعَنَ مَالِكًا ، وَالْآخَرُ : بِشْرُ الْمُرَيْسِيُّ .
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَغَيْرُ مَالِكٍ أَيْضًا مُوَافِقٌ لَهُ فِي أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَاتِ عَدَمُ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ ، فَالْأَصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُمَّةِ ، مَا عَدَّا الظَّاهِرِيَّةَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ ، بَلِ الْكُلُّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، فَهُمْ أَحْرَى بِأَنْ لَا يَقُولُوا بِأَصلِ الْمَصَالِحِ فَضلًا عَنْ أَنْ يَعْتَقِدُوا الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ حَاصِلَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ ، وَرَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ فِي الدِّينِ ، وَأَيْضًا مَرْجِعُهَا إِلَى حِفْظِ الضَّرُورِيِّ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ . . . فَهِيَ إِذًا مِنَ الْوَسَائِلِ لَا مِنَ الْمَقَاصِدِ ، وَرُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ رَاجِعٌ إِلَى بَابِ التَّخْفِيفِ لَا إِلَى التَّشْدِيدِ .
أَمَّا رُجُوعُهَا إِلَى ضَرُورِيٍّ فَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ .
وَكَذَلِكَ رُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ ، وَهُوَ إِمَّا لَاحِقٌ بِالضَّرُورِيِّ ، وَإِمَّا مِنَ الْحَاجِيِّ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّقْبِيحِ وَالتَّزْيِينِ الْبَتَّةَ ، فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ : فَإِمَّا مِنْ بَابٍ آخَرَ مِنْهَا ، كَقِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً - حَسْبَمَا تَقَدَّمَ - وَإِمَّا مَعْدُودٌ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 632
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٣٢