تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
ظَهَرَتْ لِبَادِي الرَّأْيِ ، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ فِي إِزَالَةِ الْأَخْبَاثِ ، وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ ، إِلَى مُطْلَقِ النَّظَافَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا غَيْرُهُ ، حَتَّى اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُ الْمَاءِ مَقَامَهُ عِنْدَهُ - وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ - حَتَّى يَكُونَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِجْزَاءِ ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ ، وَاقْتَصَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَدَوَرَانِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ دُونَ مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ - إِنْ تَصَوَّرَ - لِقِلَّةِ ذَلِكَ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنُدُورِهِ ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْعَادَاتِ الَّذِي هُوَ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الظَّاهِرِ لِلْعُقُولِ ، فَإِنَّهُ اسْتَرْسَلَ فِيهِ اسْتِرْسَالَ الْمُدِلِّ الْعَرِيقِ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي الْمَصْلَحِيَّةِ ، نَعَمْ مَعَ مُرَاعَاةِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ وَلَا يُنَاقِضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ ، حَتَّى لَقَدِ اسْتَشْنَعَ الْعُلَمَاءُ كَثِيرًا مِنْ وُجُوهِ اسْتِرْسَالِهِ زَاعِمِينَ أَنَّهُ خَلَعَ الرِّبْقَةَ ، وَفَتَحَ بَابَ التَّشْرِيعِ ، وَهَيْهَاتَ مَا أَبْعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ ! رَحِمَهُ اللَّهُ ، بَلْ هُوَ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ فِي فِقْهِهِ بِالِاتِّبَاعِ ، بِحَيْثُ يُخَيَّلُ لِبَعْضٍ أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لِمَنْ قَبْلُهُ ، بَلْ هُوَ صَاحِبُ الْبَصِيرَةِ فِي دِينِ اللَّهِ - حَسْبَمَا بَيَّنَ أَصْحَابُهُ فِي كِتَابِ سِيَرِهِ - . بَلْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ ، وَهَذِهِ غَايَةٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالِاتِّبَاعِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَخْشَى عَلَيْهِ الْبِدْعَةَ ( يَعْنِي الْمُبْغِضَ ل‍ مَالِكٍ ) .