فَنَهَى أَوَّلًا عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، ثُمَّ جَاءَتِ الْآيَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ اعْتِدَاءً ، لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ .
وَسَيَأْتِي لِلْآيَةِ تَقْرِيرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ هَمَّ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، وَآخَرَ الْأَكْلَ بِالنَّهَارِ ، وَآخَرَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ هَمَّ بِالِاخْتِصَاءِ ، مُبَالَغَةً فِي تَرْكِ شَأْنِ النِّسَاءِ ، وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي » .
فَإِذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْعَامِلُ بِغَيْرِ السُّنَّةِ تَدَيُّنًا ، هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِعَيْنِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَتَارِكُ الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا ، هَلْ يُسَمَّى مُبْتَدِعًا أَمْ لَا ؟ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ التَّارِكَ لِلْمَطْلُوبَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَتْرُكَهَا لِغَيْرِ التَّدَيُّنِ : إِمَّا كَسَلًا ، أَوْ تَضْيِيعًا ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَاعِي النَّفْسِيَّةِ ; فَهَذَا الضَّرْبُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَالَفَةِ لِلْأَمْرِ ، فَإِنْ كَانَ فِي وَاجِبٍ فَمَعْصِيَةٌ ; وَإِنْ كَانَ فِي نَدْبٍ ، فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ التَّرْكُ جُزْئِيًّا ، وَإِنْ كَانَ كُلِيًّا فَمَعْصِيَةٌ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَتْرُكَهَا تَدَيُّنًا ; فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ ، حَيْثُ تَدَيَّنَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 59
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٩