تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَكُونُ قِسْمُ الْعَادِيَّاتِ دَاخِلًا فِي قِسْمِ الْعِبَادَيَّاتِ ، فَدُخُولُ الِابْتِدَاعِ فِيهِ ظَاهِرٌ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِ هَذَا . وَعَلَيْهِ نَبْنِي الْكَلَامَ فَنَقُولُ : ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَادِيٍّ مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعَبُّدِيِّ ، وَمَا عُقِلَ مَعْنَاهُ وَعُرِفَتْ مَصْلَحَتُهُ أَوْ مَفْسَدَتُهُ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعَادِيِّ ، فَالطَّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ كُلُّهَا تَعَبُّدِيٌّ ، وَالْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَالشِّرَاءُ وَالطَّلَاقُ وَالْإِجَارَاتُ وَالْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَادِيٌّ ، لِأَنَّ أَحْكَامَهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّعَبُّدِ ، إِذْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِأُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ لَا خِيرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهَا ؛ كَانَتِ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا ؛ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِي التَّعَبُّدَاتِ إِلْزَامٌ ، كَمَا أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إِلْزَامٌ - حَسْبَمَا تَقَرَّرَ بُرْهَانُهُ فِي كِتَابِ " الْمُوَافَقَاتِ " - وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ - فَقَدْ ظَهَرَ اشْتِرَاكُ الْقِسْمَيْنِ فِي مَعْنَى التَّعَبُّدِ ، فَإِنْ جَاءَ الِابْتِدَاعُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ؛ صَحَّ دُخُولُهُ فِي الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ ، وَإِلَّا فَلَا . وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْبَابِ ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْأَمْثِلَةِ : فَمِمَّا أَتَى بِهِ الْقَرَافِيُّ وَضْعُ الْمُكُوسِ فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ ، فَلَا يَخْلُو هَذَا الْوَضْعُ الْمُحَرَّمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَصْدِ حَجْرِ التَّصَرُّفَاتِ وَقْتًا مَا ، أَوْ فِي حَالَةٍ مَا ، لِنَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا ، عَلَى هَئْيَةِ غَصْبِ الْغَاصِبِ ، وَسَرِقَةِ السَّارِقِ ، وَقَطْعِ الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ . . . ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ يَكُونَ عَلَى قَصْدِ وَضْعِهِ عَلَى النَّاس ؛ كَالدِّينِ الْمَوْضُوعِ وَالْأَمْرِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِمْ دَائِمًا ، أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ ، عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مَضْرُوبَةٍ ، بِحَيْثُ تُضَاهِي الْمَشْرُوعَ الدَّائِمَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 570 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي