تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وَمِثْلُ هَذَا مَا يَجْرِي بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَبَيْنَ الْمَكْرُوهِينَ . وَإِنْ كَانَتِ الْعُزْلَةُ مُؤَدِّيَةً إِلَى تَرْكِ الْجُمُعَاتِ ، وَالْجَمَاعَاتِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الطَّاعَاتِ . . . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهَا [ مُوقِعَةٌ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ جِهَةٍ ، وَ ] أَيْضًا سَلَامَةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَيَقَعُ التَّوَازُنُ بَيْنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ . وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ ، إِذَا أَدَّى إِلَى الْعَمَلِ بِالْمَعَاصِي ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ مَعْصِيَةٌ ؛ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى . وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ - غَيْرَ أَنَّهُ مُشْكِلٌ - مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ إِلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ : أَنَّهُ قَالَ لِ مَعْنِ بْنِ ثَوْرٍ : هَلْ تَدْرِي لِمَ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الدِّيَارَاتِ ؟ قَالَ مَعْنٌ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ الْمُلُوكُ الْبِدَعَ ، وَضَيَّعُوا أَمْرَ النَّبِيِّينَ ، وَأَكَلُوا الْخَنَازِيرَ ؛ اعْتَزَلُوهُمْ فِي الدِّيَارَاتِ ، وَتَرَكُوهُمْ وَمَا ابْتَدَعُوا ، فَتَخَلَّوْا لِلْعِبَادَةِ ، قَالَ حَبِيبٌ لِ مَعْنٍ : فَهَلْ لَكَ ؟ قَالَ : لَيْسَ بِيَوْمِ ذَلِكَ . فَاقْتَضَى أَنَّ مِثْلَ مَا فَعَلَتْهُ النَّصَارَى مَشْرُوعٌ فِي دِينِنَا كَذَلِكَ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ اعْتِزَالَ النَّاسِ عِنْدَ اشْتِهَارِهِمْ بِالْبِدَعِ وَغَلَبَةِ الْأَهْوَاءِ عَلَى حَدِّ مَا شُرِعَ فِي دِينِنَا مَشْرُوعٌ ، لَا أَنَّ نَفْسَ مَا فَعَلَتِ النَّصَارَى فِي رَهْبَانِيَّتِهَا مَشْرُوعٌ لَنَا ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ نَسَخِهِ . فَعَلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ جَرَى كَلَامُ الْإِمَامِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْهُمْ وَاحْتَجَّ بِهِمْ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّرْغِيبُ فِي الْعُزْلَةِ كَانُوا مُتَزَوِّجِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ الْبَقَاءِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ ؛ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى التَّحَرِّي فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ مَا يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ التَّزَوُّجِ . فَلَا إِشْكَالَ إِذًا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّنْ سَلَكَ