تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
فَيَأْخُذُ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ بِالطَّرِيقِ الْأَصْعَبِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِثْلِهِ ، وَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ الْأَسْهَلَ ؛ بِنَاءً عَلَى التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ . كَالَّذِي يَجِدُ لِلطَّهَارَةِ مَاءَيْنِ : سُخْنًا وَبَارِدًا فَيَتَحَرَّى الْبَارِدَ الشَّاقَّ اسْتِعْمَالُهُ ، وَيَتْرُكُ الْآخَرَ ، فَهَذَا لَمْ يُعْطِ النَّفْسَ حَقَّهَا الَّذِي طَلَبَهُ الشَّارِعُ مِنْهُ ، وَخَالَفَ دَلِيلَ رَفْعِ الْحَرَجِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى زَائِدٍ ، فَالشَّارِعُ لَمْ يَرْضَ بِشَرْعِيَّةِ مِثْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ ( اللَّهُ ) تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [ النساء : 29 ] ، فَصَارَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ . وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ » . . . الْحَدِيثَ ؛ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْإِسْبَاغُ مَعَ كَرَاهِيَةِ النَّفْسِ سَبَبًا لِمَحْوِ الْخَطَايَا وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَجْرِ بِإِكْرَاهِ النَّفْسِ ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِتَحَرِّي إِدْخَالِ الْكَرَاهِيَةِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : لَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قُلْتُمْ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْإِسْبَاغَ مَعَ وُجُودِ الْكَرَاهِيَةِ ، فَفِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ ؛ كَالرَّجُلِ يَجِدُ مَاءً بَارِدًا فِي زَمَانِ الشِّتَاءِ وَلَا يَجِدُهُ سُخْنًا فَلَا يَمْنَعُهُ شِدَّةُ بَرْدِهِ عَنْ كَمَالِ الْإِسْبَاغِ ، وَأَمَّا الْقَصْدُ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ ؛ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِيهِ ، بَلْ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنِ الْعِبَادِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِيهِ ؛ لَكَانَتْ أَدِلَّةُ رَفْعِ الْحَرَجِ تَعَارُضُهُ ، وَهِيَ قَطْعِيَّةٌ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنِهِمَا ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيمِ الْقَطْعِيِّ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 441 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي