إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ ، فَالْعِبَادَاتُ الْمَحْضَةُ ظَاهِرٌ فِيهَا ذَلِكَ ، وَالْعَادَاتُ كُلُّهَا إِذَا قُصِدَ بِهَا امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ عِبَادَاتٌ ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا ذَلِكَ الْقَصْدُ ، وَيَجِيءُ بِهَا نَحْوَ الْحَظِّ مُجَرَّدًا ، فَإِذْ ذَاكَ ؛ لَا تَقَعُ مُتَعَبَّدًا بِهَا ، وَلَا مُثَابًا عَلَيْهَا ، وَإِنْ صَحَّ وُقُوعُهَا شَرْعًا .
فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَدْ فَهِمُوا هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ فَهْمِهِ أَنْ تَتَعَارَضَ الْأَوَامِرُ فِي حَقِّهِمْ وَلَا فِي حَقٍّ مَنْ فَهِمَ مِنْهَا مَا فَهِمُوا ( مِنْهَا ) .
فَالتَّبَتُّلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ أَصِيلٌ فِي الْجَرَيَانِ عَلَى السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ صَحِيحٌ إِذَا أَخَذَ هَذَا الْمَأْخَذَ ؛ أَيِ : اتَّبَعِ الْهُدَى وَاتَّبِعْ أَمْرَ رَبِّكَ ؛ فَإِنَّهُ الْعَلِيمُ بِمَا يَصْلُحُ لَكَ ، وَالْقَائِمُ عَلَى تَدْبِيرِكَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَى أَثَرِهَا : { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } [ المزمل : 9 ] ؛ أَيْ : فَكَمَا أَنَّهُ وَكِيلٌ لَكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِكَ ؛ فَكَذَلِكَ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى مَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ كَسْبِكَ ، مِمَّا هُوَ تَكْلِيفٌ فِي حَقِّكَ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَوَكَّلَ لَكَ فِيهِ أَنْ لَا تُدْخِلَ نَفْسَكَ فِي عَمَلٍ تُحْرَجُ بِسَبَبِهِ حَالًا وَمَآلًا .
وَقَدْ فَسَّرَ التَّبَتُّلَ بِأَنَّهُ الْإِخْلَاصُ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : " أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ " .
فَعَلَى هَذَا ؛ لَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِمَوْرِدِ السُّؤَالِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 436
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٣٦