وَقَدْ بَسَطَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْفَصْلَ فِي " الْإِحْيَاءِ " عِنْدَ ذِكْرِ الْعُزْلَةِ ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ آدَابِ النِّكَاحِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ ، بَلْ هُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ عُرُوضِ الْعَوَارِضِ ، وَعِنْدَمَا يَصِيرُ النِّكَاحُ وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ وَبَالًا عَلَى الْإِنْسَانِ ، وَمُؤَدِّيًا إِلَى اكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَالدُّخُولِ فِيمَا لَا يَجُوزُ ؛ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ » . . . وَسَائِرُ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى .
وَأَيْضًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا } [ المزمل : 8 ] ، وَالتَّبَتُّلُ - عَلَى مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ - رَفْضُ الدُّنْيَا ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ : بَتَلْتُ الْحَبْلَ بَتْلًا ؛ إِذَا قَطَعْتُهُ ، وَمَعْنَاهُ : الْقَطْعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ : " بَتَّلَ إِلَيْهِ نَفْسَهُ وَاجْتَهَدَ " .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " تَفَرَّغَ لِعِبَادَتِهِ " .
هَذَا إِلَى مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الِانْقِطَاعِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَفْضِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ، وَالتَّخَلِّي عَنِ الْحَوَاضِرِ إِلَى الْبَوَادِي ، وَاتِّخَاذِ الْخَلَوَاتِ فِي الْجِبَالِ وَالْبَرَارِيِّ ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْجِبَالِ الشَّامِيَّةِ قَدْ خَصَّهَا اللَّهُ بِالْأَوْلِيَاءِ وَالْمُنْقَطِعِينَ إِلَى لُبْنَانَ وَنَحْوِهِ .
فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ ؟
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 434
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٣٤