الْقَوَاعِدِ ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ نَدْبًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ فِي تَكْثِيرِ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا طَلَبَ مِنَ التَّكْثِيرِ مِنَ الذِّكْرِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } [ الأحزاب : 41 ] الْآيَةَ ، وَقَوْلِهِ : { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ الجمعة : 10 ] ؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ .
وَمِثْلُ هَذَا الدُّعَاءُ ؛ فَإِنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ ؛ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا فِيهِ كَيْفِيَّاتٍ ، وَلَا قَيَّدُوهُ بِأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ - بِحَيْثُ تَشْعُرُ بِاخْتِصَاصِ التَّعَبُّدِ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ ، إِلَّا مَا عَيَّنَهُ الدَّلِيلُ ؛ كَالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ . وَلَا أَظْهَرُوا مِنْهُ إِلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى إِظْهَارِهِ ؛ كَالذِّكْرِ فِي الْعِيدَيْنِ وَشِبَهِهِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ ؛ فَكَانُوا مُثَابِرِينَ عَلَى إِخْفَائِهِ وَسِرِّهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ [ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] حِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ : « أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا » ، وَأَشْبَاهُهُ ، وَلِمَ يُظْهِرُوهُ فِي الْجَمَاعَاتِ .
فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ ؛ فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِالرَّأْيِ ، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ - وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَوْفًا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 319
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣١٩