وَأَمَّا مَا سِوَى الْمُصْحَفِ ; فَالْأَمْرُ فِيهِ أَسْهَلُ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ كِتَابَةُ الْعِلْمِ :
فَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ » .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ; فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَكُنْتُ لَا أَكْتُبُ " .
وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتَّابٌ يَكْتُبُونَ لَهُ الْوَحْيَ وَغَيْرَهُ ; مِنْهُمْ : عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا تَعَيَّنَ لِضَعْفِ الْحِفْظِ وَخَوْفِ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ ، كَمَا خِيفَ دُرُوسُهُ حِينَئِذٍ ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنَّمَا كَرِهَ الْمُتَقَدِّمُونَ كَتْبَ الْعِلْمِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا لِكَوْنِهِ بِدْعَةً ، فَكُلُّ مِنْ سَمَّى كَتْبَ الْعِلْمِ بِدْعَةً ; فَإِمَّا مُتَجَوِّزٌ ، وَإِمَّا غَيْرُ عَارِفٍ بِمَوْضِعِ لَفْظِ الْبِدْعَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْبِدَعِ .
وَإِنْ تَعَلَّقُ [ وا ] بِمَا وَرَدَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا ( غَيْرُ ) صَحِيحٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ ; فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُصْحَفِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهَا فِي صُورَةٍ ; ثَبَتَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 239
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٣٩