قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : " وَحِينَ انْتَهَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ ; قُلْتُ : إِنْ كَانَ فِي الْأَجَلِ نَفَسٌ ، فَهَذَا شَبِيهٌ بِيَوْمِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ .
فَوَجَّهْتُ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ الْإِمَامِ ، وَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ كُنْتُ فِي لَا شَيْءَ ، وَلَوْ خَرَجْتُ مِنْ عَكَّا قَبْلَ أَنْ أَجْتَمِعَ بِهَذَا الْعَالِمِ ; مَا رَحَلْتُ إِلَّا عَرِيًّا عَنْ نَادِرَةِ الْأَيَّامِ ; وَانْظُرْ إِلَى حِذْقِهِ بِالْكَلَامِ وَمَعْرِفَتِهِ ، حَيْثُ قَالَ لِي : أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ ؟ وَلَا يَسْأَلُ بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلُهُ ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ هَاهُنَا نُكْتَةٌ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَأْخُذَهَا الْيَوْمَ عَنْهُ ، وَتَكُونُ ضِيَافَتُنَا عِنْدَهُ : لِمَ قُلْتَ : أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ ، فَاقْتَصَرْتَ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى أَيِّ ، وَتَرَكْتَ الْهَمْزَةَ وَهَلْ وَكَيْفَ وَأَنَّى وَكَمْ وَمَا ، هِيَ أَيْضًا مِنْ ثَوَانِي حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَعَدَلْتَ عَنِ اللَّامِ مِنْ حُرُوفِهِ ؟ ! وَهَذَا سُؤَالٌ ثَانٍ عَنْ حِكْمَةٍ ثَانِيَةٍ ، وَهُوَ أَنَّ لِ " أَيِّ " مَعْنَيَيْنِ فِي الِاسْتِفْهَامِ ، فَأَيَّ الْمَعْنَيَيْنِ قَصَدْتَ بِهَا ؟ وَلِمَ سَأَلْتَ بِحَرْفٍ مُحْتَمِلٍ ؟ وَلَمْ تَسْأَلْ بِحَرْفٍ مُصَرِّحٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ؟ هَلْ وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا قَصْدِ حِكْمَةٍ ؟ أَمْ بِقَصْدِ حِكْمَةٍ ؟ فَبَيِّنْهَا لَنَا .
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنِ افْتَتَحْتُ هَذَا الْكَلَامَ ، وَانْبَسَطْتُ فِيهِ ، وَهُوَ يَتَغَيَّرُ ; حَتَّى اصْفَرَّ آخِرًا مِنَ الْوَجَلِ ، كَمَا اسْوَدَّ أَوَّلًا مِنَ الْحِقْدِ . وَرَجَعَ أَحَدُ أَصْحَابِهِ الَّذِي كَانَ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخَرَ كَانَ بِجَانِبِهِ ، وَقَالَ لَهُ : مَا هَذَا الصَّبِيُّ إِلَّا بَحْرٌ زَاخِرٌ مِنَ الْعِلْمِ ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ ، وَهُمْ مَا رَأَوْا وَاحِدًا بِهِ رَمَقٌ ( إِلَّا أَهْلَكُوهُ ) ، لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَهُمْ ، وَلَوْلَا مَكَانُنَا مِنْ رِفْعَةِ دَوْلَةِ مَلِكِ الشَّامِ وَأَنَّ وَالِيَ عَكَّا كَانَ يَحْضُرُنَا ; مَا تَخَلَّصْتُ مِنْهُمْ فِي الْعَادَةِ أَبَدًا .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 204
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٠٤