تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
رَئِيسَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ رَغِبَ فِي الْكَلَامِ مَعَكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا مَشْغُولٌ . فَقَالَ : هُنَا مَوْضِعٌ مُرَتَّبٌ قَدْ جَاءَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَحْرَسُ الطَّبَرَانِيِّينَ ، مَسْجِدٌ فِي قَصْرٍ عَلَى الْبَحْرِ ، وَتَحَامَلَ عَلَيَّ ، فَقُمْتُ مَا بَيْنَ حِشْمَةٍ وَحِسْبَةٍ ، وَدَخَلْتُ قَصْرَ الْمَحْرَسِ ، وَطَلَعْنَا إِلَيْهِ ، فَوَجَدْتُهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي زَاوِيَةِ الْمَحْرَسِ الشَّرْقِيَّةِ ، فَرَأَيْتُ النُّكْرَ فِي وُجُوهِهِمْ ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَصَدْتُ جِهَةَ الْمِحْرَابِ ، فَرَكَعْتُ عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ لَا عَمَلَ لِي فِيهِمَا إِلَّا تَدْبِيرُ الْقَوْلِ مَعَهُمْ وَالْخَلَاصُ مِنْهُمْ . فَلَعَمْرُ الَّذِي قَضَى عَلَيَّ بِالْإِقْبَالِ إِلَى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ ، إِنْ كُنْتُ رَجَوْتُ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَبَدًا ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الْبَحْرِ يَضْرِبُ فِي حِجَارَةٍ سُودٍ مُحَدَّدَةٍ تَحْتَ طَاقَاتِ الْمَحْرَسِ ، فَأَقُولُ : هَذَا قَبْرِي الَّذِي يَدْفِنُونِي فِيهِ ، وَأُنْشِدُ فِي سِرِّي : أَلَا هَلْ إِلَى الدُّنْيَا مَعَادٌ وَهَلْ لَنَا . . . سِوَى الْبَحْرِ قَبْرٌ أَوْ سِوَى الْمَاءِ أَكْفَانُ وَهِيَ كَانَتِ الشِّدَّةَ الرَّابِعَةَ مِنْ شَدَائِدِ عُمْرِي الَّذِي أَنْقَذَنِي اللَّهُ مِنْهَا . فَلَمَّا سَلَّمْتُ ، اسْتَقْبَلْتُهُمْ ، وَسَأَلْتُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ عَادَةً ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي ، وَقُلْتُ : أَشْرَفُ مِيتَةٍ فِي أَشْرَفِ مَوْطِنٍ أُنَاضِلُ فِيهِ عَنِ الدِّينِ . فَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ وَأَشَارَ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ : هَذَا سَيِّدُ الطَّائِفَةِ وَمُقَدَّمُهَا ، فَدَعَوْتُ لَهُ ، فَسَكَتَ ، فَبَادَرَنِي وَقَالَ : قَدْ بَلَغَتْنِي مَجَالِسُكَ وَأُنْهِيَ إِلَيَّ كَلَامُكَ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : قَالَ اللَّهُ وَفَعَلَ ! فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ ؟ ! أَخْبِرْنِي وَاخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْمَخْرَقَةِ الَّتِي جَازَتْ لَكَ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ الضَّعِيفَةِ ، وَقَدِ احْتَدَّ نَفْسًا ، وَامْتَلَأَ غَيْظًا ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهُ