فَصْلٌ
وأَضعف هؤلاءِ احْتِجَاجًا : قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخذ الأَعمال إِلى الْمَنَامَاتِ ، وأَقبلوا وأَعرضوا بِسَبَبِهَا ، فيقولون : رأَينا فلاناً الرجل الصالح في النوم ( 1 ) ، فَقَالَ لَنَا : اتْرُكُوا كَذَا ، وَاعْمَلُوا كَذَا . وَيَتَّفِقُ مثل هذا كثيراً للمُتَرَسِّمين ( 2 ) برَسْم التَّصَوُّفِ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : رأَيت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ ، فَقَالَ لِي كَذَا ، وأَمرني بِكَذَا ؛ فَيَعْمَلُ بِهَا ، وَيَتْرُكُ بِهَا ( 3 ) ، مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ خَطَأٌ ؛ لأَن الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الأَنبياءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ ، إِلا أَن نعرضها عَلَى مَا فِي أَيدينا مِنَ الأَحكام الشَّرْعِيَّةِ ، فإِن سَوَّغَتْهَا عُمل بِمُقْتَضَاهَا ، وإِلا وَجَبَ تَرْكُهَا والإعراض عنها ، وإِنما فائدتها البشارة والنذارة ( 4 ) خَاصَّةً ، وأَما اسْتِفَادَةُ الأَحكام فَلَا ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الكِتَّاني رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم من الْمَنَامِ ، فَقُلْتُ : ادْعُ اللَّهَ أَن لَا يُمِيتَ قَلْبِي ، فَقَالَ : قُلْ كُلَّ يَوْمٍ أَربعين مَرَّةً : " يا حي يَا قَيُّومُ ! لَا إِله إِلا أَنت " ( 5 ) ، فَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ ، وَكَوْنُ الذِّكْرِ يُحْيِي الْقَلْبَ صَحِيحٌ شَرْعًا ، وَفَائِدَةُ الرُّؤْيَا التنبيه على الخير ، وهي ( 6 ) من
هامش
( 1 ) قوله : " في النوم " ليس في ( خ ) و ( م ) .
( 2 ) في ( خ ) : " للمتمرسين " ، وفي ( م ) : " للمرتسمين " . وعلق عليها رشيد رضا بقوله : تمرَّس بالشيء : احتكّ به ، وتمرّس بدينه : تلعب به وعبث كما يعبث البعير . والمراد بهم هنا : المقلّدون للصوفية في رسومهم الظاهرة ، دون أخلاقهم وأعمالهم . اه - .
( 3 ) قوله : " بها " ليس في ( غ ) و ( ر ) .
( 4 ) في ( خ ) : " أو النذارة " .
( 5 ) ذكر قول الكتاني هذا القشيري في " رسالته " ( ص 177 ) .
( 6 ) في ( خ ) و ( م ) : " وهو " .