فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَاجِبًا ، وَيَحْيَى وَزِيرًا ، ثُمَّ ابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى . قَالَ : وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً ؛ يَعْتَقِدُونَ آراءَ الْفَلَاسِفَةِ ، فأَحيوا المجوسيَّة ، وَاتَّخَذُوا البخور في المساجد - وإِنما كانت ( 1 ) تُطَيَّبُ بالخَلوق - ، فزادوا التَّجْمير ليَعْمُروها ( 2 ) بالنار منقولة ؛ حتى يجعلوها عند الأُنس ( 3 ) بِبَخُورِهَا ثَابِتَةً . انْتَهَى ( 4 ) .
وَحَاصِلُهُ أَن النَّارَ لَيْسَ إِيقادُها فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ شأْن السَّلف الصَّالِحِ ، وَلَا كَانَتْ مِمَّا تُزَيَّن بِهَا المساجدُ البتَّةَ ، ثُمَّ أُحدث التَّزْيِينُ ( 5 ) بِهَا حَتَّى صَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُعَظَّم بِهِ رَمَضَانُ ، وَاعْتَقَدَ الْعَامَّةُ هَذَا كَمَا اعْتَقَدُوا طَلَبَ الْبُوقِ فِي رَمَضَانَ في المساجد ، حتى لقد سأَل بعض الناس ( 6 ) عنه :
هامش
( 1 ) قوله : " كانت " سقط من ( خ ) و ( م ) و ( ت ) .
( 2 ) في ( خ ) : " ويعمرونها " ، وفي ( م ) : " ويعمروها " ، وفي ( ت ) : " وتعميرها بالنار " ، ثم بياض مكان قوله : " منقولة . . . " إلى " ثابتة " ، ثم ذكر في الهامش أن في نسخة : " وَيُعَمِّرُونَهَا بِالنَّارِ مَنْقُولَةً حَتَّى يَجْعَلُوهَا عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ ببخورها ثابتة " .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : " الأندلس " ، وكذا بهامش ( ت ) كما سبق .
( 4 ) الذي يظهر أن مقصود ابن العربي رحمه الله من قوله : " أول من اتخذ البخور في المساجد بنو برمك . . . " : إنما هو البخور الذي كان يصاحبه إيقادٌ للنار في المساجد ؛ والذي فيه إحياء لدين المجوسية ، ويؤيده قوله : " ليعمروها بالنار . . . " ، وهذا الذي فهمه المصنف رحمه الله حيث قال : " وحاصله أن النار ليس إيقادها في المساجد من شأن السَّلف الصالح " .
أما أصل تبخير المساجد على غير هذا النحو فمعروف عند السَّلف ؛ بل وُصِفَ غيرُ واحد ممن كان يفعل ذلك ب - " المُجْمِر " .
قال الحافظ في " الفتح " ( 1 / 235 ) عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر : " وُصِفَ هو وأبوه بذلك ؛ لأنهما كانا يبخران مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم " . ويؤيد هذا ما نقله رشيد رضا رحمه الله عن بعض المؤرخين : " أن البرامكة زينوا للرشيد وضع المجامر في الكعبة المشرفة ، ليأنس المسلمون بوضع النار في أعظم معابدهم ، والنار معبودُ المجوس ، والظاهر أن البرامكة كانوا من رؤساء جمعيات المجوس السرية التي تحاول هدم الإسلام وسلطة العرب وإعادة الملك للمجوس ، وإنما فتك بهم هارون الرشيد لأنه وقف على دخائلهم " . اه - . والله أعلم .
( 5 ) في ( ت ) و ( م ) و ( خ ) : " التزين " .
( 6 ) قوله : " الناس " سقط من ( خ ) و ( م ) و ( ت ) .