ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا } ( 1 ) ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْلِيمًا غَيْرَ عَقْلِيٍّ ، ثُمَّ تَوَارَثَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ فَرَّعَتِ الْعُقُولُ مِنْ أُصُولِهَا تَفْرِيعًا تَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهَا بِهِ .
وَدَخَلَ ( 2 ) فِي الْأُصُولِ الدَّوَاخِلُ حَسْبَمَا أَظْهَرَتْ ذَلِكَ أزمنة الفترات ؛ إذ لم تجر مصالح أهل ( 3 ) الْفَتَرَاتِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، لِوُجُودِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ ( 4 ) ، وَظُهُورِ أوجه الفساد ( 5 ) .
فلولا أن الله تعالى منّ ( 6 ) على الخلق ببعثة الأنبياء عليهم السلام لَمْ تَسْتَقِمْ ( 7 ) لَهُمْ حَيَاةٌ ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ ( 8 ) فِي أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ .
وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الأُخروية ، فَأَبْعَدُ عن مجاري ( 9 ) العقول ( 10 ) مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا ، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ ، وَمِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَكَوْنِهَا آتِيَةً ، فَلَا بُدَّ وَأَنَّهَا ( 11 ) دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ الَّذِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ أن يشعر به ( 12 ) .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 31 ) ، وقد روى نحو هذا القول عن قتادة . انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 1 / 282 ) .
( 2 ) في ( م ) و ( ر ) و ( ت ) : " دخل " ، بدون الواو .
( 3 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) .
( 4 ) الهرج هو القتل كما فسّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج ، قالوا : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل ، القتل " ، رواه مسلم ( 18 / 31 مع شرح النووي ) .
ومن معاني الهرج الفتنة والاختلاط . الصحاح ( 1 / 350 ) .
( 5 ) أشار المؤلف إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات ( 2 / 48 ) .
( 6 ) في ( ط ) : " فلولا أن منَّ الله " .
( 7 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " يستقيم " ، وكلا اللفظين صحيح في اللغة .
( 8 ) ساقطة من ( ت ) .
( 9 ) في ( م ) : " مجار " ، وفي ( ط ) : " مصالح " .
( 10 ) في ( ط ) : " المعقول " .
( 11 ) ساقطة من ( م ) و ( ت ) .
( 12 ) في ( خ ) و ( ط ) : " بها " .