فَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بِدْعَتِهِ أَنْ يَنَالَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِهَا مَا رَامَ تَحْصِيلَهُ مِنْ جِهَتِهَا ، فَصَارَتْ كَالْعَبَثِ .
هَذَا إِنْ قُلْنَا ( 1 ) : إِنَّ الشَّرَائِعَ جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ .
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ مُجَرَّدُ تَعَبُّدٍ وَإِلْزَامٍ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ لِلْمَأْمُورِ ، وَالْعَقْلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ ( 2 ) .
وَنَاهِيكَ مِنْ نِحْلَةٍ يَنْتَحِلُهَا صَاحِبُهَا فِي أَرْفَعِ مُطَالَبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا ، وَيُلْقِي مِنْ يَدِهِ مَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ منه :
والثاني ( 3 ) : أن الشريعة جاءت كاملة تامّة ( 4 ) لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهَا : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } ( 5 ) .
وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ( 6 ) : وَعَظَنَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم موعظة ( 7 )
هامش
( 1 ) ساقطة من أصل ( م ) ، ومثبتة في هامشها ، وفي ( غ ) : " إذا " .
( 2 ) تناول المؤلف هذه القضية في كتاب الموافقات ، وذلك في مقدمة قدّمها حول مقاصد الشريعة ، وأنها جاءت لمصالح العباد الدنيوية والأخروية . انظر كتاب الموافقات للمؤلف ( 2 / 6 - 7 ) ، ثم قال : وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معلّلة بعلّة البتّة ، وأخذ في الردّ عليه . قلت : هذا هو مذهب الأشاعرة الذين نفوا الحكمة الإلهية ، وكذلك نفوا أن تكون أحكام الله معلّلة ، وانظر قولهم أيضاً في كتاب التمهيد للباقلاني ( ص 30 ) ، وقد ردّ عليهم أهل السنة والجماعة في كتبهم ، فانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ( 16 / 96 وما بعدها ) ، ومنهاج السنة له ( 1 / 141 وما بعدها ) ، والنبوات له ( ص 358 ) ، وقد أطال الإمام ابن القيم في الرد عليهم في شفاء العليل ( ص 391 - 521 ) .
( 3 ) أي من وجوه ذم البدعة من جهة النظر .
( 4 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) و ( ر ) .
( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 3 ) .
( 6 ) هو أبو نجيح العرباض بن سارية السلمي ، صحابي ، كان من أعيان أهل الصفة ، سكن حمص ، وروى أحاديث ، روى عنه جبير بن نفير وعده ، توفي سنة 75 ه - .
انظر : سير أعلام النبلاء ( 3 / 419 ) ، الإصابة لابن حجر ( 2 / 473 ) ، الحلية لأبي نعيم ( 2 / 13 ) .
( 7 ) في ( م ) : " وعظة " .