أَمَّا جَمْعُ الْمُصْحَفِ ، وَقَصْرُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، فَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، إِذْ أُنْزِلَ ( 1 ) الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهُا شَافٍ كَافٍ ، تَسْهِيلًا عَلَى الْعَرَبِ الْمُخْتَلِفَاتِ اللُّغَاتِ ( 2 ) ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرَةً ، إِلَّا أَنَّهُ عَرَضَ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْحٌ لِبَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ ، حَيْثُ ( 3 ) اخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ ( 4 ) حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( 5 ) ، فَخَافَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمُ - اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ فِي يَنْبُوعِ الْمِلَّةِ ، فَقَصَرُوا النَّاسَ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْهَا فِي مصاحف عثمان رضي الله تعالى عَنْهُ ، وَاطَّرَحُوا مَا سِوَى ذَلِكَ ، عِلْمًا بِأَنَّ مَا اطَّرَحُوهُ مُضَمَّنٌ فِيمَا أَثْبَتُوهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي يُؤَدَّى بِهَا الْقُرْآنُ .
ثُمَّ ضبطوا ذلك أيضاً ( 6 ) بِالرِّوَايَةِ حِينَ فَسَدَتِ الْأَلْسِنَةُ ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَهْلُ الْعُجْمَةِ ، خَوْفًا مِنْ فَتْحِ بَابٍ آخَرَ مِنَ الْفَسَادِ ، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي الْقِرَاءَاتِ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، فَيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ فِي بَثِّ إِلْحَادِهِمْ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ ( 7 ) لَمَّا لَمْ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ مِنْ هَذَا الْبَابِ دَخَلُوا مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالدَّعْوَى فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ ، حَسْبَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( 8 ) .
فَحَقٌّ مَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنَّ لَهُ أصْلًا يَشْهَدُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ ، وَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } ( 9 ) ، وَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : ( لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغائب ) ( 10 ) وأشباهه .
هامش
( 1 ) في ( م ) : " نزل " .
( 2 ) أي اللهجات .
( 3 ) غير واضحة في ( ت ) .
( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " القراءات " .
( 5 ) سوف يتكلم المؤلف عن مسألة جمع القرآن بشيء من البسط في الباب الثامن ( 2 / 115 - 117 ) .
( 6 ) زيادة في ( م ) .
( 7 ) في ( ت ) : " أنهم " .
( 8 ) سيتكلم المؤلف عن مآخذ المبتدعة في الاستدلال في الباب الرابع .
( 9 ) سورة المائدة : آية ( 67 ) .
( 10 ) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه ، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم : " رب مبلغ =