تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
شرح
أصابته النجاسة وإنما أراد به لا ينجس بمعنى غير ذلك . وكذلك قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : « الأرض لا تنجس » في حديث « وفد ثقيف لما قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضرب لهم قبة في المسجد فقالوا يا رسول الله نحن قوم أنجاس فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما » رواه الحسن البصري مرسلا . وروي عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن يونس عن الحسن قال : « جاء رهط من ثقيف فأقيمت الصلاة ، فقيل : يا رسول الله إن هؤلاء مشركون ، قال : " إن الأرض لا ينجسها شيء » وليس معناه أن الأرض لا تنجس وإن أصابتها النجاسة ، وكيف يكون ذلك وقد « أمر بالمكان الذي بال فيه الأعرابي من المسجد أن يصب عليه ذنوب من ماء » والحديث صحيح . وروى طاوس أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أمر بمكان أن يحض فكان معنى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن « الأرض لا تنجس » أنها لا تبقى نجسة في حال عدم كونها النجاسة فيها ، فكذلك قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في بئر بضاعة « إن الماء لا ينجس » ليس هو على حال كون النجاسة فيها إنما هو على حال عدم النجاسة فيها ، فهذا وجه قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في بئر بضاعة « الماء لا ينجسه شيء » . وقال أبو نصر المعروف بالأقطع : لا يظن بالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه كان يتوضأ من بئر هذه صفاته مع نزاهته وإيثار الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في الماء ، فدل أن ذلك كان في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها فبين أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح ، وقال الخطابي : قد توهم بعضهم أن هذا كان لهم عادة وتعمدا وهذا لا يظن بذمي ولا وثني فضلا عن مسلم ، فلم تزل عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم من تنزيه الماء وصونه عن النجاسة فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهو أعلى طبقات أهل الدين ، وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز ، والحاجة إليه أمس أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له . وقد « نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التغوط في موارد الماء ومشارعه » فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا للأنجاس ومطرحا للأقذار ، وإنما كان ذلك من أجل أن هذا البئر موضعها في حدود من الأرض ، وكانت السيول تلم هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها ، وكان الماء لكثرته ، وغزارته لا يتغير من ذلك ، فكان من جوابه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الماء الكثير الذي صفته هذه في الكثرة والمقدار لا تؤثر فيها النجاسة ، لأن السؤال إنما وقع عن ذلك والجواب إنما يقع عنه .
البناية شرح الهداية — صفحة 376 | العيني