شرح
هو فيها بالانصراف ثم بالغسل ولما جاز له أن يبني على صلاته بل يستقبلها .
وأما الجواب عن الثاني : فنقول إنه اعتمد بحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ولئن رددناه بالكلية فحديث عائشة كاف سواء كان مسندا أو مرسلا ، ثم وجه الاستدلال بالحديث المذكور من وجوه :
الأول : أنه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة ، والجواز ، ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض فدل بعبارته على البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه . والثاني : أنه أمر بالوضوء ومطلق الأمر للوجوب . والثالث : أنه أباح الانصراف وهو لا يباح بعد الشروع إلا به ، فإن قلت : جاز أن يكون الأمر بالانصراف واقعا لغسل النجاسة الحقيقية كرعاف أصاب بدنه وثوبه لا للحدث ، قلت : أخرج عليه بطريق المشاكلة لجواب السائل في قوله : ألا تتوضأ وضوءك للصلاة مع أن غسل النجاسة الحقيقية مبطل للصلاة ، ومانع للبناء بها بالاتفاق ألا ترى أن فيه [ مني ] أو مذي ، وعن المذي يجب الوضوء الشرعي فكذا بالقيء أو الرعاف كذا في " الأسرار " .
فإن قلت : البناء المعطوف على الانصراف غير واجب ، فكذا الانصراف والتوضئ لتتناسب أحكام المعطوفات . قلت : هذا من الاستدلال بالأدلة الفاسدة فإن القران في النظم لا يوجب القران في الحكم ، وقد يعطف الأمر المقتضي للوجوب على الأمر المقتضي للإباحة كما في قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ } [ سبأ : 15 ] ( سبأ : الآية 15 ) فالأكل مباح والشكر واجب في قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } [ الأنعام : 141 ] ( الأنعام : الآية 141 ) . فالثاني للوجوب لا الأول ولما أمر بالانصراف ظن ظان أن ذلك مفسد للصلاة فأمر بالبناء لنفي هذا الظن .
وقوله : رعف بضم العين ، وقال السعدي : فتح العين هو الصحيح ، يقال : رعف إذا سال رعافه ، أو قلس بالتحريك ، وقيل : بالسكون وهو ما يخرج من الجوف ملء الفم أو دونه ، وليس بقيء فإن عاد فهو قيء ، واعلم أن لنا أحاديث أخر في هذا الباب : حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت : « جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت : يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ، قال : " لا إنما ذلك عرق ، وليست بالحيضة فإذا أقبلت فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت » فأخرجه أحمد وابن ماجة ، « وتوضئي عند كل صلاة ، وإن قطر الدم على الحصير » وهذا فيه دليل على وجوب الوضوء من الدم ، ونبه على العلة بقوله : " عرق " .