استعار السحابُ جُفونَ العُشَاقِ ، ولفَّ الأجواد . انقطع شريان عرق الغمام ، سحابٌ حَكى المحب في انسكابِ دموعِهِ ، والتهابِ النار بين ضُلوعه ، مَطرٌ كأفواه القِرَب ، وَوَحْلٌ إلى الركب ، سحابُه يضحك من بكائها الرَّوْضُ ، وتخضرُّ من سَوادِها الأرضُ .
وَصفُ الماءِ وما يتصل به
ماءٌ كالزجاج الأزرقِ ، غديرٌ كعينِ الشمس ، مواردُ كالمباردِ ، ماءٌ كلسانِ الشَّمعة ، أصفى من الدَّمعة ، ماءٌ إذا مَسّتهُ مدُّ النسيم ، حكى سلاسلَ الفضَّة ، كأن الغدير لبنات الماء ، رداءٌ مُصَنْدلٌ مُطيَّرٌ ، بِركةٌ كأنها مرآةُ السماء ، بركة مفروزة بالخضرة كأنها مرآةٌ مَجْلوّة على ديباجةٍ خضراء ، ماءٌ أرقُّ من دموعي فيك وأعذب من أخلاقك ، وأبرد من فعل الزمان حيث رماني بجفائك .
ذكْرُ الصَّيفِ ووصفُ الحر
قَوِيَ سلطان الحرَ ، وبسط بساطَ الجمر ، حَرُّ الصيف كحدِّ السيف ، حَزٌ يلفح حُرَّ الوَجْهِ ، حرٌّ يشبهُ قلبَ الصَّبِّ ، ويُذيبُ دماغ الضّبِّ ، هاجرة تحكي نارَ الهَجْرِ ، وتذيبُ قلبَ الصَّخر ، أيامٌ كأيام الفراقِ امتداداً ، وحَرٌّ كحرِّ الشوقِ اشتداداً ، حرّ لا يَطيب مَعه عيش ، ولا ينفع فيه ثلج ولا خَيش .
ذكْرُ الخَريف
انحسر قناعُ الصيف ، خَبَتْ جَمْرَةُ الهواجرِ ، جاشت جيوشُ الخريف ، وردت رايات المصيف ، قد أخذ البردُ يجمّشنا بلواحظه ويقرصنا بأنامِلِه ، أخذت عواصفه تهبٌّ ، وأقبلت عقاربه تدبُّ قد حَلّتِ الشمس الميزان ، وعُدِّل الزمان بالميزان .
ذِكْرُ الشتاءِ وَوَصْفُ أيّامِ الثلج والبرد
ألقى الشتاء كلاكِلَه ، وأحلَّ بنا أثقالَهُ ، مَدَ الشتاء رُواقه ، وحلَ البرد نطاقَه ،
لباب الآداب — صفحة 84
مساهمون: الثعالبي
ص٨٤