ابتداء الدولة العباسية
كان القائم بهذه الدولة أبو مسلم الخراساني ، وكان اسمه عبد الرحمن ابن مسلم ، فمن قوله :
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت . . . عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجهدٍ في دمارهم . . . والقوم في غفلة والناس قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا . . . من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ . . . ونام عنها تولى رعيها الأسد
ولهم أبو عبد الله السفاح . ذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن خالد بن صفوان أنه دخل يوماً على أبي العباس السفاح وليس عنده أحد ، فقال : يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافته أطلب أن أصير معك بمثل هذا الموقف في الخلوة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب فعل حتى نفرغ .
فأمر الحاجب بذلك ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إني فكرت في أمرك واستجلبت الفكر فيك ، فلم أر أحداً له قدرة واتساع في الاستمتاع بالنساء ولا أضيق فيهن عيشاً منك . إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين فاقتصرت عليها ، فإن مرضت مرضت وإن غابت غبت ، وإن عزلت عزلت وحرمت ، يا أمير المؤمنين ، على نفسك التلذذ بما يشتهى منهن ، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لحسنها ، والبيضاء التي تحب لرؤيتها ، والسمراء اللعساء ، والصفراء الذهبية ، ومولدات المدينة والطائف واليمامة ذوات الألسنة العذبة والجواب الحاضر ، وبنات سائر الملوك وما يشتهى من نضارتهن ونظافتهن .
وتخلل خالد لسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن . فلما فرغ من كلامه قال له السفاح : ويحك ملأت مسامعي ، ما شغل خاطري والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعاً .
فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأ به . ثم قال له : انصرف ! فانصرف وبقي أبو العباس مفكراً . فدخلت عليه أم سلمة زوجته ، وكان قد حلف لها أنه لا يتزوج عليها سرية ووفى لها . فلما رأته على تلك الحالة قالت له : إني لأنكرك يا أمير المؤمنين ، فهل حدث شيء تكرهه أو أتاك خبر ارتعت له ؟ قال : لا .
فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت له : وما قلت لابن الفاعلة ؟ فقال لها : أينصحني وتشتميه ؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد .