إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم . . . أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم . . . ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت . . . والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم . . . سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم . . . في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم . . . خلق كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم . . . لأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا . . . فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق ، فأنفذ له زين العابدين رضي الله عنه ، اثني عشر ألف درهم ، فردها وقال : مدحته لله لا للعطاء والصلات . فقال زين العابدين : إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نعود فيه . فقبلها الفرزدق ، انتهى .
هشام والغلام الفصيح
مما يحكى أن هشام بن عبد الملك كان ذات يوم في صيده وقنصه إذ نظر إلى ظبي تتبعه الكلاب فتبعته وأحالته إلى خباء أعرابي يرعى غنماً ، فقال هشام : يا صبي دونك هذا الظبي فأتني به .
فرفع الصبي رأسه إليه وقال له : يا جاهل بقدر الأخيار لقد نظرت إلي باستصغار وكلمتني باحتقار فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار .
فقال هشام : يا صبي ، ونيلك ما تعرفني ؟ فقال : قد عرفني بك سوء أدبك إذ بدأتني بكلامك قبل سلامك .
فقال : ويلك أنا هشام بن عبد الملك .
فقال له الأعرابي : لا قرب دارك ولا حيي مزارك ، ما أكثر كلامك وأقل إكرامك .
فما استتم حتى أحدقت به الجيوش من كل جانب ، كل منهم يقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال هشام : أقصروا الكلام واحفظوا الغلام .
فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال : علي بالغلام البدوي ، فأتي به .