قال : نعم . فجاء بمطعوم كأنما كان معداً له ، فأصاب منه يسيراً ، ثم دعا بشراب حمل معه ، فقال له الموصلي : يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك ؟ قال : بل الجواري .
فخرجت جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه ، فقال إبراهيم : أيضربن كلهن أم واحدة واحدة ؟ فقال : بل يضربن اثنتان اثنتان ، وواحدة واحدة تغني .
قال : فضربن اثنتان وغنت واحدة منهن ، فقالت :
إذا دعا باسمها داعٍ يحدثني . . . كادت لها مهجتي من حرها تقع
لو أن لي صبرها أو عندها جزعي . . . لكنت أعقل ما آتي وما أدع
لا أحمل اللوم فيها ، والغرام بها . . . ما كلف الله نفساً غير ما تسع
ثم غنت أخرى ، فقالت :
طرقتك زائرةٌ فحي خيالها . . . بيضاء تخلط بالجمال دلالها
هل يطمسون من السماء نجومها . . . بأكفهم أو يطمسون هلالها
شهدت من الأنفال آخر آيةٍ . . . فأردتموا بمحالكم إبطالها
ثم غنت أخرى ، فقالت :
شطت سعاد وأضحى البين قد أبدا . . . وأورثتك سقاماً يصدع الكبدا
فما احتيالك في جد الرحيل بهم . . . وخلفوك غداة البين ، منفردا
لا أستطيع لهم صبراًُ ولا جلداً . . . ولا تزال أحاديثي بهم جددا
قال : فقام حتى وصل إلى صدر الإيوان ، وأخذ بجانبيه والرشيد يسمع ولا ينصت لشيء من غنائهن ، إلى أن غنته صبية من صدر الإيوان من حاشية الصفة هذين البيتين لأبي نواس :
يا موري الزند قد أعيت قوادحه . . . أقبس بما شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم . . . إذا نظرت فلم أنظرك في الناس
فطرب الرشيد لغنائهما واستعاد الصوت مراراً وشرب أرطالاً ، وسأل الجارية عن صانعه ، فأمسكت فاستدناها ، فتقاعست ، فأمر بها ، فأقبلت بين يديه ، فأخبرته بشيء أسرته إليه ، فدعا بحماره فركبه ، ثم التفت إلى إبراهيم الموصلي ، فقال له : ما ضرك أن تكون خليفة .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 294
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢٩٤